الدكتورة شيخة بنت عبد الله المسند
الدكتورة شيخة بنت عبد الله المسند

 

نبدأ من الإصلاح التعليميّ في قطر. ما الذي تحقّق ويمكن تعميمه عربيًّا للاستفادة من هذا المشروع الكبير؟

لقد كانت هناك دائمًا مجهودات لإصلاح التعليم في قطر منذ بداية التعليم النظاميّ في منتصف الخمسينيّات وحتى الآن، ولكنّ أهمّ وأكبر الإصلاحات في نظام التعليم حدثت منتصف التسعينيّات. لقد حقّقت قطر تطورًا كميًّا رائعًا، وبلغ الالتحاق بالتعليم معدّلات عالية خلال فترة قصيرة، ولكن كان هناك ضعف في جودة التعليم من الناحية الكيفيّة لا يتناسب مع معدّلات الإنفاق على التعليم أو التطور العامّ للدولة. لذلك كانت مرحلة التطوير في التسعينيّات تركّز على جودة التعليم، وكان الشعار هو التعليم لمرحلة جديدة.

شمل التطوير في هذه المرحلة جميع مجالات التعليم ومراحله، من التعليم المدرسيّ إلى التعليم الجامعيّ. وأدّت هذه الجهود إلى إنجاز الكثير.

أصبح الواقع التعليميّ يوفّر فرصًا تعليميّة ذات مستوى عال، ويقدّم خيارات متنوعة للطلّاب. لدينا الآن ما يقارب تسعًا وعشرين جامعة، منها أفرع لجامعات عريقة تحتضنها المدينة التعليميّة، كما تطوّر التعليم الفنيّ المتخصّص إلى وجود كليّات فنيّة وتقنيّة تخدم سوق العمل. إنّ الفرص التعليميّة المتاحة أمام الطلّاب فى قطر لا تضاهيها أيّ فرص للتعليم فى أيّ مكان آخر في العالم، إذ تكفل الدولة حقّ التعليم من مرحلة الروضة وحتى درجة الدكتوراه، سواء داخل الدولة أو خارجها.

 

ما هي الأهداف التي يمكن العمل عليها أو التنبّه إليها اليوم برأيك؟

إنّ التعليم هو عملية مستمرّة، وتطوّره لا يرتبط فقط بما يحدث داخل المؤسّسات التعليميّة، بل هو يتأثّر ويؤثّر في البيئة التي يتواجد فيها. وحتى يحقّق التعليم أهدافه، وخاصة ما يتعلّق بالقيم والأخلاق، فهو يحتاج إلى بيئة مساندة سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع الواسع تتبنى هذه التوجّهات وتؤمن بها. فالمدرسة لا تستطيع غرس مبادئ الديمقراطيّة في مجتمعات غير ديمقراطيّة، ولا تستطيع أن تغرس الابتكار والتفكير الحرّ في مجتمعات تسود فيها الثقافة الجمعيّة، والاختلاف والتفرّد بالرأي غير مقبول ومن الأفضل تفاديه.

وكما قلت سابقًا إنّ جودة أيّ نظام تعليميّ تتبدّى من جودة مخرجاته، وهي المعيار الرئيس لمدى نجاح المؤسسة التعليميّة. هل اكتسب الطالب عند تخرّجه المهارات والقدرات التي تجعل منه إنسانًا ناجحًا في حياته؟ هذا هو معيار رئيس في النظر للأمر.

التغيير في التعليم ليس سهلًا، بالإضافة إلى صعوبة تقبّل التغيير، وهذا أمر طبيعيّ، لأنّ التغيير يخلق شعورًا بعدم الأمان والخوف من الجديد، وما يتطلّبه من جهد وعمل لاستيعابه. وهناك أيضًا مشكلة الزمن الذي يحتاجه التعليم لتحقيق أهدافه.

 

إن نظرنا إلى الجامعة، كيف ترين دور كليّات التربية في تطوير التعليم؟

لا شك أنّ كليّات التربيّة لها دور كبير في إعداد المعلّمين، الإعداد الذي يؤدي فعلًا إلى تغيير في جودة التعليم، بالإضافة إلى دورها في مراجعة المناهج. نظم التعليم تحتاج إلى أعداد كبيرة من الخريجين للعمل في مهنة التعليم. ومن الصعب توفير كفاءات متميزة دائمًا. بالإضافة إلى أنّ مهنة التعليم من المهن الشاقّة، فالعمل فيها لا ينتهي بانتهاء الدوام، ولذاك هي مهنة غير جاذبة للكثيرين وخاصّة وقت الرخاء الاقتصاديّ وتوافر فرص عمل أخرى كثيرة. ولا شكّ أنّ هناك معلّمين متميّزين يبقون في ذاكرة طلّابهم طوال العمر، وكان لهم تأثير كبير على نجاح طلّابهم في الحياة. يضاف إلى ذلك أنّ العائد الماديّ غير جاذب في كثير من الأحيان. ومع أنّ رواتب المعلّمين في قطر تعتبر من أعلى الرواتب، ما تزال مهنة التعليم غير جاذبة، خاصّة بين الذكور.

 

هل كان البحث العلميّ في الجامعات ضمن رؤية تطوير التعليم؟ وهل جامعاتنا مجهّزة للبحث العلميّ؟

البحث العلميّ هو جزء أساسيّ من تكوين الجامعات، وهو هدف من أهدافها، والمدرّس الجامعيّ لا يمكن أن يكون أستاذًا دون أن يكون لديه أبحاث علميّة منشورة في مجلّات علميّة لها مكانتها.

وقد أُسِّس صندوق قطريّ لدعم البحث العلميّ وتشجيع الباحثين على البحث، وقد ساهم فعلًا في رفع الإنتاجيّة البحثيّة للعاملين في الجامعات. لكنّنا نحتاج لكثير من الوقت للوصول إلى الإنتاج البحثيّ الذي يؤدي إلى الابتكار الذي يساهم في مجالات الحياة كالاقتصاد والصحة والتكنولوجيا وفي مناحي الحياة الأخرى. 

إنّ البحث العلميّ في دول العالم المتقدّم مرتبط بالصناعات، فهو يساهم في تطويرها، وهي تموّله وتدعمه. ونحن لم نصل إلى هذه المرحلة في عالمنا العربيّ، وما زال البحث العلميّ في معظمه مرتبطًا بالاهتمامات الفرديّة لأساتذة الجامعات. للأسف لا نزال مستهلكين للمعرفة، ولسنا منتجين لها.

 

إذا تحدثنا قليلًا عن التعليم الرسميّ والتعليم الخاصّ. في قطر استهدف الإصلاح التعليم العامّ. ولكن هل أخذ التعليم الخاصّ دورًا أكبر أو على حساب التعليم الرسميّ، في المجتمع ككلّ؟

التعليم الخاصّ أو المدارس الخاصّة أصبحت جزءًا أساسيًّا من المنظومة التعليميّة في مختلف أنحاء العالم، ووجود هذه المدارس يوفّر خيارات لأولياء الأمور، على سبيل المثال مدارس الجاليات أو المدراس المتخصّصة.

في قطر تدعم الدولة هذه المدارس وتخضع لإشرافها وتلزِمها بتدريس اللغة العربيّة والتربية الإسلاميّة للطلّاب القطريّين، بالإضافة إلى أنّها تدعم ماليًّا الطلّاب القطريّين في هذه المدارس.

 

يعيش قطاع التعليم اليوم تحدّيات كبيرة في ظل جائحة كورونا، هل أبرزت هذه الجائحة نقاطًا في واقع التعليم تلفت نظرك وتفكّرين بها؟

جائحة كورونا أربكت حياة البشر وأصبحنا نعيش في ما يسمى New normal أو الوضع الطبيعيّ الجديد، وتأثّرت المدارس بدرجة كبيرة واضطرت إلى الاعتماد على التكنولوجيا كأحد الحلول، ولكن لا شيء يضاهي الحياة المدرسيّة الطبيعيّة، وما فيها من تفاعل. واختلفت آراء أولياء الأمور بين راغب في ذهاب ابنه للمدرسة وبين رافض خوفًا من العدوى.

لا شك أنّ الوضع الحاليّ سيؤدي إلى تطوّر التكنولوجيا في مجال التعليم، وقد تساعد في رفع كفاءة التعليم، إذ تستطيع المدارس الاستفادة من المدرّسين المتميّزين لتدريس أكبر عدد من الطلّاب باستخدام التكنولوجيا. ولا شك أنّ التعليم سيتأثر كثيرًا وخاصة في الدول الفقيرة التي لا تستطيع توفير التكنولوجيا، هذا بالإضافة إلى أنّ كثيرًا من المعلّمين يحتاجون التدريب على استخدام التكنولوجيا في التدريس. إنّ الطلّاب الذين لديهم صعوبات في التعلّم سيعانون في ظلّ هذه الظروف. أي لقد خلقت جائحة كورونا تحدّيات كبيرة أمام النظم التعليميّة وأثّرت على حياة الطلّاب وأولياء الأمور، ولكنّها ستخلق أيضًا فرصًا لتطوير استخدام التكنولوجيا في التعليم.

 

أخيرًا، ما أكثر ما يشغل بالك في مسيرة التعليم في قطر؟

تطوير التعليم هو عمليّة مستمرّة ولا تتوقف أبدًا، وكلّ مرحلة لها تحدّياتها التي يجب مواجهتها. أعتقد أنّ أحد التحدّيات هو كيفيّة خلق الدافعيّة لدى الطلّاب وحبّ العلم والاجتهاد فيه. والتحدّي الآخر هو توفير المعلّم المتمكّن الذي يؤمن برسالته، الشغوف بعمله والقادر على إثارة عقول الطلّاب وحماسهم للتعلّم. إنّ المدرسة في الوقت الحاضر لم تعد هي المؤثّر الرئيس في صقل شخصيّات الطلّاب، لقد أصبح الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة عوامل رئيسة في تشكيل عقول النشء.

الدكتورة شيخة بنت عبد الله المسند