التعليم والتعلّم بوصفهما جدليّة الفعل والأثر في المدرسة المعاصرة
التعليم والتعلّم بوصفهما جدليّة الفعل والأثر في المدرسة المعاصرة

أركان العمليّة التعليميّة في المدرسة أو المؤسّسة التعليميّة ثلاثة: المنهاج أو المقرّر الدراسيّ، والمدرّس أو المعلّم، والطالب أو المتعلّم. وقد نال المنهاج حيّزًا واسعًا في الخطط الدراسيّة للمراحل المختلفة. وتكاد لا تخلو أيّ خطة دراسيّة لتخصّص ما من مساق أو أكثر يتناول المنهاج: أسسه وتنظيماته وتقويمه. أمّا على المستوى المدرسيّ، فهو من وجهة نظر المعلّم يحدّد بالكتاب المدرسيّ لمقرّر أو مبحث ما لصفّ معيّن. 

أمّا الركن الثاني من أركان العمليّة التعليميّة التعلّميّة فهو المعلّم؛ فالمعلّم هو الذي يقوم بالتعليم. فاستنادًا إلى المنهاج أو المقرّر الذي تمّ تجسيده في كتاب مقرّر، يخطّط المعلّم للتدريس وينظّم الخبرات التعليميّة للطلبة، ويعمل على حثّ الطلبة وإثارة دافعيتهم، وما يتّبع ذلك من تقويم للفعّاليّات التدريسيّة وما تمّ تحقيقه من أهداف التخطيط المخطّط لها. وللتدريس مهارات على المعلّم أنّ يمتلكها ليكون التدريس فعّالًا ومنتجًا. 

والطالب كما هو متّفق عليه محور العمليّة التعليميّة التعلّميّة، وهو الركن الأساسيّ في العمليّة كلها، فالتعليم الذي لا يحدث تعلّمًا ليس تعليمًا على الإطلاق؛ وكأن العمليّة التعليميّة التعلّميّة لم تحدث. التركيز على التعلّم بدلًا من التعليم، إلّا أنّ النظريّات التربويّة الخاصّة بالتعلّم لم تحدث فرقًا كبيرًا أو جوهريًّا في مخرجات التعليم. ولذا لا بدّ من إحكام الربط بين التدريس والتعلّم واعتبارهما وحدة أو عمليّة واحدة. 

على الرغم من الارتباط الوثيق بين التعليم والتعلّم، ممّا يجعل البعض لا يميّز بينهما باعتبار أن التعليم يحدث أو يؤدّي إلى التعلّم، إلّا أنّهما شيئان مختلفان؛ فالتعليم عمليّة يقوم بها المعلّم، والتعلّم عمليّة يقوم بها الطالب أو المتعلّم. والتعليم يسير وفق إجراءات يتبنّاها أو يسير بها المعلّم، في حين يتعلّق التعلّم بالمبادئ والنظريّات المتّصلة بكيفيّة تعلّم الفرد المتعلّم في مختلف المراحل. فالتعليم عمليّة عقليّة ذاتيّة تتمّ داخل المتعلّم نتيجة للمثيرات المحيطة به والتي يقوم بها المعلّم في غالب الأحيان، ونتيجة للاستعدادات الموجودة لديه، ويكون نتيجتها تغيّر في سلوك الفرد الظاهر أو المستتر. 

فالتعلّم عمليّة شخصانيّة ترتبط بالمتعلّم، وحتّى يحدث التعلّم لا بدّ من توفير الخبرة التعليميّة الجيّدة، أي التي توفّر فرصًا للمتعلّم ليمارس السلوك المستهدف كما خطّط له المعلّم. والتعلّم لا يقتصر حدوثه على ما يقوله أو يفعله المعلّم في الموقف التعليميّ، فقد يحدث نتيجة قراءة مادّة مطبوعة أو مشاهدة صور أو برنامج تلفزيونيّ أو من خلال أداء مهام معيّنة أو ما شابه. كما يمكن أن يقوم المعلّم بعمل تعليميّ في غرفة الصفّ دون حدوث تعلّم، أو حدوث تعلّم لدى بعض الطلبة وعدم حدوثه لدى البعض الآخر؛ ويحدث التعلّم بدرجات متفاوتة لدى الطلبة في معظم الأحيان بناءً على الفروق الفرديّة القائمة بينهم. 

 

التعليم الجيد أو التعليم الفعّال هو التعليم الذي يؤدّي إلى حدوث تعلّم جيّد لدى الطالب، بمعنى أنّه يحدث السلوك المرغوب فيه والذي نصّت عليه الأهداف التعليميّة المخطّط لها، والتعليم الجيّد له مواصفات تتمثّل في ضرورة امتلاك المعلّم لمجموعة من المهارات التعليميّة. 

ونظرًا للارتباط الوثيق بين التعليم والتعلّم فإنّه ينظر إليهما على أنّهما عمليّة واحدة مترابطة يطلق عليها العمليّة التعليميّة التعلّميّة. وهذه العمليّة ذات طبيعة تفاعليّة وتواصليّة، فهي عمليّة تفاعليّة بين أفراد (بين المعلّم والطلبة وبين الطلبة أنفسهم)؛ فالمعلّم يقدّم مثيرات يستجيب لها الطلبة، واستجابات الطلبة تكون مثيرات للمعلّم يستجيب لها، وتكون أيضًا مثيرات لطلبة آخرين يستجيبون لها. وعلى المعلّم أن يتيح فرصًا للطلبة ليتفاعلوا (يستجيبوا ويسألوا ويفكّروا ويعبّروا عن أفكارهم ومشاعرهم)، وأن لا يسيطر على الصفّ بكلامه وأفعاله؛ فعمليّة التعليم والتعلّم عمليّة تواصل بين المعلّم والمتعلّم، هدفها إحداث تعلّم مرغوب لدى المتعلّم عن طريق إثارته وتسهيل تعلّمه، وذلك بتوفير بيئة تعليميّة تعلّميّة مناسبة توفّر الخبرة الضروريّة لاكتساب السلوك المستهدف. 

والعمليّة التعليميّة التعلّميّة عمليّة مقصودة ومنظّمة ومخطّط لها، فهي بوصفها تفاعليّة تواصليّة تحتاج إلى القصديّة والتنظيم والتخطيط؛ حتّى تؤدّي إلى التعلّم المنشود. والمعلّم في هذه العمليّة هو المصمّم والمنظّم للتفاعل والتواصل فيها؛ ودوره فيها وسيط ومسهّل، وحفظ الطلبة للتعلّم وإثارة دافعيّتهم أمر أساسيّ في قطبيّ العمليّة. ولعلم النفس التربويّ دور بارز في تفعيل عمليّة التعلّم وتوجيه عمليّة التعليم لإحداث التعلّم، وفي طرائق التدريس الفعّالة، ومنها ما يستند إلى النموذج الاستقصائيّ. 

 

أبو زينة، فريد كامل. (2011). النموذج الاستقصائيّ في التدريس والبحث وحلّ المشكلات. دار وائل. (ص ص. 13-16).