التعليم باعتباره حقّ مقدّس في زمن الحرب!
التعليم باعتباره حقّ مقدّس في زمن الحرب!
2024/04/08
حسنيوي عبد الرحمن | أستاذ التعليم الثانويّ التأهيليّ- المغرب

"تعترف الدول الأطراف بحقّ الطفل في التعليم، وتحقيقًا للإعمال الكامل لهذا الحقّ تدريجيًّا، وعلى أساس تكافؤ الفرص..."، هذا ما جاء في المادّة 28 من اتفاقيّة الأمم المتّحدة لحقوق الطفل، لكنّ "الحقّ في التعليم" يُزحف عليه في العديد من مناطق النزاع، حيث إنّه آخر شيء تفكّر فيه الأطراف المتنازعة!

في قارّة أفريقيا، يواجه التعليم تحدّيات هائلة، في ظلّ الصراعات والحروب المستمرّة في بعض الدول، كأوغندا ونيجيريا وغينيا... ويعتبر التعليم أحد أكثر القطاعات تضرّرًا، وذلك بسبب تأثيرات النزاعات المسلّحة في البنية التحتيّة للتعليم، والموارد البشريّة، والمجتمعات المحلّيّة بأسرها.

في هذا المقال، سنلقي الضوء على التحدّيات التي تواجه التعليم في زمن الحرب في الدول الأفريقيّة، وعلى بعض التدابير والإجراءات المحتملة لتحسين الوضع.

 

التحدّيات التي تواجه التعليم في زمن الحرب

يواجه التعليم في مناطق النزاع والحرب العديد من التحدّيات والمشاكل، والتي تحول دون ضمان حقّ التعليم لأطفال هذه المناطق، ويلخّص الباحثان، ريفيستا الكترونيكا إديوكير، وأنطونيو فرنانديز كانو، في دراستهما المعنونة بـ"Impact of Armed Conflicts on Education and Educational Agents: A Multivocal Review" التحدّيات والعوائق التي تحول دون العودة إلى التعلّم أو التمدرس في الآتي: البنية التحتيّة التعليميّة المتضرّرة أو المدمّرة، وخفض أو سحب الإنفاق على التعليم، وفقدان الوظائف التعليميّة والحمائيّة للأسرة، وفقدان المجتمع الأكاديميّ المؤهّل، ووجود أعضاء هيئة التدريس غير المؤهلين، والتخلّي عن المدرسة بسبب التحرّكات السكانيّة (الهجرة، النزوح)، والمشاكل النفسيّة والسلوكيّة (Bragin & Opiro, 2012) وبالاعتماد على هذه الدراسة، يمكن إجمال العوائق والتحدّيات في الآتي:

تدمير البنية التحتيّة: تعاني العديد من المدارس والمؤسّسات التعليميّة، في الدول الأفريقيّة المتأثّرة بالحروب، التدميرَ والخراب، حيث تُستهدف المدارس والجامعات من طرف المتنازعين، ممّا يؤدّي إلى تدمير المباني والمعدّات، وفقدان الموارد التعليميّة.

نقص الموارد البشريّة: يشهد التعليم في الدول المتأثّرة بالحروب نقصًا حادًّا في المعلّمين والكوادر التعليميّة المؤهّلة، كما يعاني العديد من المعلّمين الإجهادَ النفسيّ والعاطفيّ، نتيجة لظروف الحرب، ممّا يؤثّر في جودة التعليم المقدّم.

تعطيل الوصول إلى التعليم: تتعرّض العديد من الفئات الضعيفة والمهمّشة إلى واقع مرّ، في المناطق المتأثّرة بالحرب، يتمثّل في عدم القدرة على الوصول إلى التعليم، بسبب الاضطهاد والنزوح والفقر.

تأثيرات نفسيّة: تترتّب على الحروب آثار نفسيّة خطيرة في الطلّاب والمعلّمين على حدّ سواء، حيث يعاني الطلّاب الصدماتِ النفسيّةَ والقلق، بينما يشعر المعلّمون بالعجز والإحباط في مواجهة الظروف القاسية.

 

التدابير والإجراءات لتحسين التعليم في زمن الحرب

في دراسة تحت عنوان " Making the Right to Education a Reality for War Affected Children: The Northern Uganda Experience" لمارثا براغين، وويرفريد جورج أوبيرو، عالج الباحثان، بالدرس والتحليل، المشروعَ الأوغنديّ لتعليم الأطفال المتأثّرين بالحرب (REPLICA). وخلصا إلى أنّ البرنامج، والذي جمع بين التدخّلات الإداريّة والنفسيّة والاجتماعيّة والتعليميّة، قد ساعد الأطفال المتضرّرين من الحرب على التعلّم في المدرسة؛ حيث تظهر الاختبارات الأوليّة نتائج واعدة، بما في ذلك تحسّن حضور الطلّاب، وزيادة استبقاء المعلّمين، وتقليل حالات الحمل المبكّر بين الفتيات في المدرسة. وقد ركّز هذا البرنامج على أهمّيّة دمج المناهج النفسيّة والاجتماعيّة والتعليميّة لتلبية الاحتياجات النفسيّة والاجتماعيّة للطلّاب، ودعم قدرتهم على المشاركة والتعلّم في المدرسة، كما أكّد على استخدام الأساليب التفاعليّة والتشاركيّة، مثل الأدوات والعروض التفاعليّة، الأمر الذي أدّى إلى إشراك الطلّاب والمجتمع في عمليّة التعلّم، وكذلك ساهم البرنامج في خلق بيئة داعمة وتمكينيّة للأطفال المتضرّرين من الحرب، في رفاههم العام، ونجاحهم الأكاديميّ (Cervantes-Duarte & Fernandez-Cano, 2016).

ومن خلال ما سبق، يمكن اقتراح بعض التدابير لتحسين التعليم في زمن الحرب، وهي كالآتي:

تعزيز التعليم غير الرسميّ: يمكن أن تساهم برامج التعليم غير الرسميّة، والمبادرات المجتمعيّة، في توفير فرص التعليم للأطفال والشباب الذين تأثّرت حياتهم بالصراعات.

توفير التدريب والدعم للمعلّمين: ينبغي توفير برامج تدريبيّة، ودعم نفسيّ وعاطفيّ للمعلّمين؛ لمساعدتهم على التعامل مع التحدّيات التي تواجههم، وتحسين جودة التعليم.

تعزيز الوصول إلى التعليم: يجب تبنّي استراتيجيّات تزيد من الوصول إلى التعليم في المناطق المتأثّرة بالحرب، بما في ذلك تقديم التعليم في مخيّمات النازحين واللاجئين.

تقديم الدعم النفسيّ والاجتماعيّ: يجب توفير خدمات الدعم النفسيّ والاجتماعيّ للطلّاب والمعلّمين؛ للتعامل مع تأثيرات الحرب النفسيّة والعاطفيّة.

الاستثمار في التعليم: يجب على الحكومات التفكير في تعزيز الاستثمار في التعليم، على الرغم من التحدّيات الموجودة، حيث يعدّ التعليم الأساس لبناء مستقبل مستقّر ومزدهر للأجيال القادمة.

التعاون الدوليّ: تؤدّي المنظّمات الدوليّة، والجهات الإنسانيّة، دورًا حيويًّا في توفير الدعم الماديّ والتقنيّ؛ لتحسين الوصول إلى التعليم في المناطق المتضرّرة من النزاعات.

في الأخير، يجب أن يكون حقّ التعليم في زمن الحرب أولويّة قصوى، لأنّه يعتبر الأساس لتحقيق التنمية المستدامة، وتحقيق السلام والاستقرار في جلّ مناطق النزاع، وتتطلّب معالجة هذه التحدّيات جهوداً مشتركة، من الحكومات، والمنظّمات الدوليّة، والمجتمع الدوليّ؛ لضمان الوصول إلى تعليم جيّد لجميع الأطفال والشباب، بغضّ النظر عن الظروف القائمة في بلدانهم.

 

- Martha Bragin, Wirefred George Opiro, Making the Right to Education a Reality for War Affected Children: The Northern Uganda Experience, 01 Jun 2012-International Journal of Applied Psychoanalytic Studies (John Wiley & Sons, Ltd)-Vol. 9, Iss: 2, pp 158-177.

- Luisa Cervantes-Duarte, Antonio Fernández-Cano, Impact of Armed Conflicts on Education and Educational Agents: A Multivocal Review Impacto de los conflictos armados sobre la educación y sus agentes: Una revisión multivocal, 01 Jan 2016, Educare Electronic Journal (september-december): Vol. 20 No. 3, 8-15.