أطلقت إصدارات ترشيد التربويّة (2023)، كتاب "التعليم الدامج للطلّاب ذوي الإعاقتين: البصريّة والسمعيّة"، لمؤلّفه جورج الخوري. يقع الكتاب في 384 صفحة من القطع المتوسّط، ويضمّ 13 فصلًا، تُفتتح بتعريف الإعاقة وواقعها، ومقاربتها بالموقف التاريخيّ ونظرات المجتمع، وتنتقل إلى عرض متسلسل للقوانين العربيّة الخاصّة بالإعاقة وحقّ التعليم. ويعرّج الكتاب على تعليم الأشخاص ذوي الإعاقة البصريّة والمكفوفين عبر التاريخ، كما يعرض تجارب دمج للطلّاب ذوي الإعاقتين في البلدان العربيّة، ثمّ يُحاور تكتيكات وطرائق لإدماج الطلبة ذوي الإعاقتين في الصفوف العاديّة، وصولًا إلى أفكار عديدة أخرى تندرج ضمن أطر منهجيّة في الكتاب.
يسعى الكتاب لتقديم رؤية شاملة حول التعليم الدامج للطلّاب ذوي الإعاقتين السمعيّة والبصريّة، مع التركيز على إدماجهم في الصفوف العاديّة، جنبًا إلى جنب مع أقرانهم من غير ذوي الإعاقة. التعليم الدامج، كما يوضّح الكتاب، ليس مجرّد تقديم المادّة نفسها للطلّاب جميعًا، بل يتطلّب تعديلات دقيقة تراعي الحاجات الخاصّة لكلّ طالب، لضمان تكافؤ الفرص التعليميّة، وتحقيق الاستفادة القصوى من الدروس.
يبدأ الكتاب بمقدّمة تعريفيّة للإعاقة، مع إبراز التباينات بين المفاهيم الطبّيّة والتربويّة والاجتماعيّة، والتأكيد على أنّ الإعاقة لا تعني فقدان القدرة، بل الاختلاف في طريقة التعلّم والاكتساب. كما يستعرض الكتاب تطوّر التعليم الدامج في الدول المختلفة منذ القرن العشرين، والمواثيق الدوليّة وقوانين حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مُسلّطًا الضوء على الدور الحاسم للمقاربة الحقوقيّة في تعزيز الإدماج.
الفصول التالية تتناول الإعاقتين بالتفصيل: فالطلّاب ذوو الإعاقة السمعيّة يحتاجون إلى مترجمي لغة الإشارة ومدرّسي الظلّ، لدعمهم في استيعاب المفاهيم الصعبة، بينما يحتاج المكفوفون وضعاف البصر إلى كتب برايل، وأدوات تكبير، ومجسّمات لتوضيح المفاهيم الهندسيّة والطبيعيّة، إضافة إلى التدريب على استخدام الحاسوب والبرمجيّات الناطقة. كما يوضّح الكتاب ضرورة توافر غرف المصادر والمرافق الداعمة التي توفّر مساحة لتعليم إضافيّ، بما يشمل الأدوات التعليميّة الخاصّة لكلّ فئة.
يتطرّق الكتاب أيضًا إلى واقع التعليم الدامج في العالم العربيّ، مع إبراز التجارب اللبنانيّة والفلسطينيّة، ومقارنتها بالدول الأخرى، ومع التنبيه إلى الفجوات في البنية التحتيّة والموارد البشريّة المتاحة. ويعالج أهمّيّة تأهيل البيئة المدرسيّة، سواء من حيث الوصول المادّيّ للمدارس، أو تجهيز الفصول لتلبية احتياجات الطلّاب ذوي الإعاقة الحسّيّة، مع تدريب المدرّسين على استخدام الطرق والتقنيّات الملائمة، لضمان تفاعل الطلّاب بشكل إيجابيّ وفعّال مع العمليّة التعليميّة.
يتضمّن الكتاب أيضًا فصولًا متقدّمة تتناول الصعوبات والاضطرابات التعلّميّة، والتي غالبًا لا ترتبط مباشرة بالإعاقات الحسّيّة، لكنّها تؤثّر في استيعاب المعلومات، مثل عسر القراءة والكتابة والحساب، موضّحًا طرق التعامل معها في سياق التعليم الدامج. ويؤكّد الكتاب على أنّ هذه الصعوبات لا تعني ضعف الذكاء، بل يمكن أن تكون دافعًا إلى اكتساب المعرفة بطرق جديدة.
وبعرض شامل للمعايير التربويّة، والممارسات العمليّة، والتجارب المحلّيّة والدوليّة، يقدّم الكتاب دليلًا مهمًّا إلى المربّين والإداريّين وصانعي السياسات، يسهم في تحسين دمج الطلّاب ذوي الإعاقتين البصريّة والسمعيّة في المدارس العاديّة، ويحفّز على تطوير تعليم دامج فعّال ومستدام، قائم على المعرفة والتجربة العمليّة والمبادئ الحقوقيّة.
ويمثّل الكتاب مرجعًا علميًّا وتربويًّا متكاملًا لأيّ شخص مهتمّ بتطوير التعليم الشامل، ويمثّل دعوة صريحة إلى تعزيز الفرص التعليميّة العادلة لكلّ طالب، مع مراعاة الاختلافات الفرديّة، واحترام قدرات كلّ طالب على حدة.
وبهذا، تضع إصدارات ترشيد التربويّة هذا الإصدار في المكتبة التربويّة العربيّة، للقراءة والتأمّل والمراجعة والفعل الإجرائيّ، أملًا في تغيير واقع هذه الفئة تغييرًا مُلهمًا جذريًّا، مبنيًّا على أُطر مفاهيميّة ومنهجيّة تربويّة قويمة.




نشر في عدد (23) شتاء 2026