الاستعارة والخيال كأنماط لإنتاج المعرفة
الاستعارة والخيال كأنماط لإنتاج المعرفة
عبد الله البيّاري | طبيب وأكاديميّ وباحث-الأردن

تبدأ هذه المقاربة من موقع الكاتب بصفته أبًا يتأمّل طفولة ابنتيْه في الألفيّة الجديدة، مستذكرًا طفولته السابقة عليهما بأكثر من ربع قرنٍ من الزمان. ولعلّ تتبّع التقاطعات والتماهيات في التجربة الطفوليّة لثلاثتنا ليس أقلّ أهمّيّة من تتبّع الاختلافات التي يميل إليها أغلب القول في الشأن ذاته، بحجج متباينة، تدّعي الموضوعيّة في أغلبها، والموضوعيّة هنا أمر لا يمكن تعريفه تعريفًا ثابتًا، فالطفولة ذاتيّة بقدر ما هي موضوعيّة، وادّعاء الموضوعيّة أوّل أشكال الهيمنة الواقعة علينا جميعًا.

 

لعلّ لهذه الموقعيّة (Positionality) أهمّيّتها، وفق ما بيّنه Gary & Holms (2020)، من حيث كونها قادرة على فهم الثقافة باعتبارها الطرق التي تنظّم فيها المجتمعات المهمّات الكثيرة التي يواجهها الطفل خلال يومه، والأدوات -الذهنيّة منها والمادّيّة- التي يتعرّف إليها الطفل لمساعدته على إتقان تلك المهمّات، وكذلك بالطبع، موقع الأب باعتباره أحد أنماط السلطة التي تمرّ من خلالها تلك المهمّات، وتنتظم مباني السلطة في الحياة اليوميّة، وترتسم حدود الذاتيّ والجماعيّ من خلالها.

 

لعلّ أبرز من أسّس لهذا المنظور في تعريف ما هو "ثقافيّ" كان المفكّر الروسيّ ليف فيجوتسكي، متّخذًا مقاربات سوسيوثقافيّة وسوسيوتاريخيّة لشرح مفهوم الثقافيّ على مستوييه الاجتماعيّ والتاريخيّ (Vygotsky, 1978)، حيث تعمل العديد من أنظمة التدريس على فرضيّة أنّ هناك كُتَلًا من المعرفة يجب نقلها من جيل إلى آخر، وهو ما ينبني عليه مفهوم "المنهاج"، والحجّة الفلسفيّة الأساسيّة للمنهاج – أيّ منهاج- هي الدفع بالأطفال إلى عالم البالغين. وعليه، فإنّ الطفولة هنا لا يُنظَر إليها باعتبارها مرحلة مستقلّة، لكنّها عتبة أو ممرّ لمرحلة البلوغ، أو على الأقلّ فضاء محدود بهدف الإعداد للبلوغ أو العبور لمرحلة البلوغ، ضمن ثنائيّة البناء، ثمّ القطيعة لتحقيق الدمج (Gennep et al., 1960). من هنا تتجاهل الكثير من منظوماتنا الثقافيّة المعرفة الموجودة لدى الأطفال، وأشكال التخيّل والتعبير وبناء المعنى، والأهمّ من ذلك التشاركيّة مع العالم والفاعليّة.

 

من أهمّ ما تتجاهله منظوماتنا الثقافيّة في تعاملها مع الطفولة بما هي مرحلة مستقلّة، كما تفترض هذه المقاربة، هو حقّ الطفل في تكوين المعنى، وانتزاع فاعليّته في تكوينه، بمعزل عن أعين البالغين ومعاييرهم، واشتراطات الاندماج والتماهي. ولو تمكنّا من بناء هذا الفصل لأمكننا فهم تشكّل العالم في عيون الأطفال.

 

ما أن يولي الطفل اهتمامًا بشكل من أشكال الوجود أو بمظهر من مظاهر العالم حوله، حتّى يبدأ في بناء علاماته المستقلّة عن منظومة علامات البالغين، حتّى وإن تأثّرت بها. ولفهم المعنى المقصود بالعلامة (Sign)، نقول إنّ تكوين العلامة الدالّة على شيءٍ ما، يحدث ضمن مقاربة بين ما نحب وما نكره، وما مررنا به من تجارب فرديّة وجماعيّة، وكذلك أثر اللغة والثقافة والهويّة في منظومة التقييم والمعايرة (المقايسة). وعليه، فإنّ إنتاج علامة ما هو نتيجة ضمنيّة لعلاقاتنا داخل تخيّل ثقافيّ معيّن، تتأسّس عليها أشكال ونتائج تواصلنا ضمن هذا التخيّل وموقعنا منه.

 

لو أردنا تكوين علامات ورموز تشير إلى شيء ما، فإنّنا ننتجها بين قطبين أساسيّين: الإنتاج والتأويل. إذا أردنا، مثلًا، بناء رمز للسلطة، نجد أنّ اليونانيّين رمزوا إليها بشكل الصاعقة، وكان التنين رمزها في شرق آسيا. بينما يخبرنا عالم اللغويّات Kress (ذكر فيSmith, 2012, p44) عن السيميوطيقا لدى الأطفال، في تجربة بناء العلامات لدى بعضهم في مدارس لندن، حيث اقتُرِحَت "المفاتيح" و"النقود"، وقال أحدهم: "المفاتيح تمكّننا من الدخول، وقال آخر: المال يشتري أيّ شيء".

 

في الثقافة المشتركة لمجموعة ما، إنّنا، كبالغين، ننتج المعنى ونسرده من خلال التقليد واستبطان علامات سيموطيقيّة دون التفاوض معها، أي أنّنا ننتجها دون أن نشارك في تأويلها، من خلال التحويل والتمرير. ومع تراكم هذا الأمر في كلّ أشكال التعبير من خلال الثقافة العامّة، نخضع لها أكثر وتنمّطنا أكثر، ونميل إلى التقليد داخل تخيّلها العامّ، لضمان استقرار علاقات القوى فيها. لكنّ الأمر مختلف في حالة الأطفال كما يقترح Kress، إذ ما من طفل يقلّد أو ينسخ على مستوى اللغة.

 

ويستخدم Kress (ذُكِر في Smith, 2012) مثالًا مثيرًا للتوضيح، إذ يشير إلى طفلٍ في الثالثة من عمره يصفُ تلّة حادّة يتسلّقها مع عائلته بأنّها ثقيلة. ما فعله الطفل هنا أنّه كوّن معنى ما لتجربته الجسديّة مع التلّة مستخدمًا الكلمة الخطأ. لكن، هل الأمر خطأ بالمعنى المهدّد للمعنى واللغة؟ يعتقد كريس أنّ إمكانيّات الأطفال في تحويل المعنى تشكّل فرادتهم الشخصيّة في تكوين اللغة، وفي تحديد العلاقة مع العالم، والنظم الثقافيّة المختلفة فيه، بكلّ ما تتضمّنه من بنى هيمنة وسلطة، وموقع الطفل منها.

 

في يوم من الأيام، أشارت ابنتي ذات الأربع سنوات إلى إحدى أواني الطبخ بالقول إنّها "مطبخة". الصياغة صحيحة لغويًّا، لكنّها غير مستخدمة في الثقافة الخاصّة بالبالغين حولها، ما أعطاها إحساسًا بالفاعليّة في التعبير بلغتها عن أمر يقع حصريًّا في عالم الكبار والبالغين، ولا خبرة لها بها. هنا تخلخلت العلاقة الهيراركيّة بين عالم البالغين والأطفال في فضاء اللغة المشتركة، دون أن ينشغل الكبار بترسيم حدود العبور والتهميش والدمج في عالمهم، كما تفرضها طقوس العبور.

 

هذا الشكل من الفاعليّة (Agency) عبر بناء المعنى للأطفال، إنّما يتمّ من خلال تعدّد الأشكال  (Multimodally) المستخدمة في التعبير وإدراك العالم. وهو دمج يحدث بين الحقيقيّ والخياليّ في إنتاج المقارنات المعنويّة واللغويّة من خلال الاستعارات. والاستعارات ليست فقط جزءًا من بنية اللغة والعقل فحسب، بل عنصرًا أساسيًّا للفكر والخيال البشريّ، كما يجادل لايكوف وجونسون (2003)، إذ يؤكّدان على أنّ الاستعارة امتداد فعليّ لوعينا بالعالم حولنا، ومن خلالها تتجسّد فاعليّتنا فيه.  

 

توجد الاستعارة في الروابط المعقّدة بيننا والعالم. الاستعارة هي الاشتباك بين اللغة والصورة والجسد المتحرّك بينهما، وهي لا تشكّل علامة أو مجموعة من العلامات فحسب، إنّما هي مبنى العلاقات بين تلك العلامات من ناحية الإنتاج، وبينها والعالم من ناحية التأويل.

 

وعليه، نميل إلى القول إنّ الاستعارات لا تشكّل الطريقة التي نرى بها العالم ونتخيّله فقط، بل هي أيضًا تحمل قصّة ما، وقد تكون مفتاحنا لخلق ممارسة هيتروتوبيّة بين الأطفال والبالغين. والهيتروتوبيا مصطلح قدّمه المفكّر الفرنسيّ فوكو (1961)، حيث تحدّث عن الهيتروتوبيا باعتباره مكانًا ينتج لغة وعلاقات مختلفة عن التي تشكّلها الأمكنة اليوميّة. فالهيتروتوبيا تشير إلى ما هو موجود بالفعل بالنظر إلى العلاقة مع غيره من الأماكن، ولا سيّما الأماكن المناقضة له. وباستعارة منطق الهيتيروتوبيا وسحبه إلى الممارسة، يمكننا فهم الاستعارات لدى الأطفال بما هي إنتاج مكان وتخيّل مغاير عن تخيّلات البالغين حولهم.

 

أمّا عن التفكير في بعض الطرق التي قد تتغيّر بها علاقتنا بالاستعارة، ولا سيّما في البيئات التعليميّة، فقد استرشدنا بدراسة أجراها Weinstein et al., (2014) في جامعة هارفارد، أشارت إلى الانخفاض المحتمل في الإبداع بين طلّاب المدارس الثانويّة من خلال مقارنة كلّ من الأعمال الفنّيّة البصريّة والكتابة الإبداعيّة التي تمّ جمعها بين عاميّ 1990-1995، ومرّة أخرى بين عاميّ 2006-2011. ومن خلال دراسة أسلوب ومحتوى وشكل صناعة الفنّ لدى المراهقين، أعرب الفريق عن أمله في فهم التحوّل المحتمل بين الأجيال، بين الإبداع قبل الإنترنت وما بعده، باعتبار الإنترنت بات يشكّل مخزونًا عامًّا للعلامات والاستعارات. اتّضح أنّ هناك مكاسب ملحوظة في تطوّر وتعقيد العمل الفنّيّ المرئيّ، ولكن عندما تعلّق الأمر بمساعي الكتابة الإبداعيّة للمجموعتين، وجد فريق البحث زيادة كبيرة في تقيّد المؤلّفين من الطلّاب بممارسات الكتابة التقليديّة المتعلقة بالنوع الأدبيّ، والاتّجاه نحو أسلوب سرديّ أكثر صرامة واتّباعًا للأجناس الكتابيّة التقليديّة.   

 

تعتقد كيونغ هي كيم (2019) أنّ التفكير الإبداعيّ يتراجع لدى جميع الأمريكيّين من جميع الأعمار، ووفقًا لها، فإنّ أحد أسباب الالتزام بالواقعيّة براغماتيّ بحت، حيث الأطفال ببساطة لديهم فرص وموارد متزايدة باستمرار لجمع المعرفة ودراستها، من أجل "التجريد الإمبريقيّ" (Empirical Abstraction). لذا، تجادل كيم بأنّ الأطفال، لكي يكونوا مبدعين، يحتاجون أيضًا إلى فرص للانخراط في العمليّة العقليّة لبناء المعرفة من خلال الإجراءات التخيّليّة. وفي رأيها، يعدّ التركيز التراتبيّ لحلّ المشكلات في التعليم خطأ، لأنّ التعليم يحتاج إلى معالجة المهمّة الأكثر إبداعًا المتمثّلة في إيجاد المشكلات أيضًا. وتخلص كيم إلى أنّ التوحيد القياسيّ يجب أن يقاوم.

 

في مشروع طويل الأجل يركّز على المدرسة الابتدائيّة والسنوات الأولى من المدرسة الثانويّة، درست Goldstein & Winner (2012) العلاقة بين التعاطف والخبرة، في محاولة لفهم النظريّات العقلانيّة من خلال العاطفة. وُجِد لدى الأطفال الذين أمضوا عامًا أو أكثر منخرطين في التدريب على التمثيل، ميل كبير إلى فهم عاطفيّ لموقعهم في العالم ولموقع الآخرين. والأمر ليس مفاجئًا، ربّما، إذ ينطوي التمثيل على دخول استعاريّ إلى مكان شخص آخر من خلال الحياة العاطفيّة والتجارب الحسّيّة للشخصيّات التي يجسّدها المرء، فقد يسهم استيعاب الشخصيّات الخياليّة والشعور بعواطفهم في تعزيز التعاطف خارج المسرح.

 

إنّ استخدام الفنون السرديّة والتخيّليّة لفهم العالم المعاصر لا يزال يشكّل عنصرًا أساسيًّا غائبًا في أنظمتنا التعليميّة العربيّة. ولعلّ الاستفادة من التراث السرديّ العربيّ، عن المرأة مثلًا، كتودّد في ألف ليلة وليلة، أو قرّة عين في تاريخ التصوّف في العراق، وفهم معاناتهن كنساء، قد يشكّل مدخلًا أساسيًّا لفهم الواقع ومقايسته في القانون والحقوق والنظم السياسيّة والإجرائيّة التي ترسم شكل العلاقات وبنيتها في الحياة اليوميّة، وحتّى العلاقة مع الآخر الغربيّ وفهم بنية حملات معاصرة، مثل الحركة "MeToo#"، وفق ما لها وما عليها، وموقع النساء الملوّنات والعربيّات المسلمات وغيرهنّ فيها.

 

ما تحاول هذه المداخلة طرحه هو أنّ عالم الطفولة والمراهقة ليس عتبة تأسيسيّة لعالم البلوغ والنضوج، وإنّما عالم يمكن له أن يكون ندًّا بالمعنى المعرفيّ والتخيّليّ والجماليّ والقيميّ لعالم البالغين. ولعلّ إعطاء الحقّ لهذا العالم بامتلاك المعنى والخيال وتأسيس بنية العلامات والاستعارات هو أوّل الطريق لفهم ما نظنّه عالمًا للبالغين، بكلّ ما فيه من معرفة وعقلانيّة.

قال ألبرت آينشتاين ذات مرّة لأحد محاوريه، عام 1929: "أنا فنّان بما فيه الكفاية للاعتماد بحريّة على خيالي. الخيال أهمّ من المعرفة. المعرفة محدودة. الخيال يطوق العالم".  

في النهاية، نجد أنّ هذه الموقعيّة قد تؤسّس مفهومًا آخر للطفولة والمراهقة، لكنّها تقترح شكلًا مغايرًا للأبوّة أيضًا، أقلّ سلطويّة وهيمنة، وأكثر طفولة وانفتاحًا على العالم.

 

 

المراجع  

- فوكو، ميشيل. (1961). تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكيّ. (ترجمة: بنكراد، سعيد). المركز الثقافي العربي.

- لايكوف، جورج، وجونسون، مارك. (2003). الاستعارات التي نحيا بها. (ترجمة: جحفة، عبد المجيد). دار توبقال للنشر.

- Emily C., Zachary C., Donna J., & Katie D. (2014). A Decline in Creativity? It Depends on the Domain. Creativity Research Journal. 26 (2). 174- 184. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/10400419.2014.901082

- Gary A. & Holmes D. (2020). Researcher Positionality - A Consideration of Its Influence and Place in Qualitative Research - A New Researcher Guide, International Journal of Education. 8 (4).

-  Gennep A., Vizedom M. & Caffee G. (1960). The Rites of Passage. The University of Chicago Press.

- Goldstein T. & Winner E. (2012). Enhancing Empathy and Theory of Mind. Journal of Cognition and Development. 13 (1). 19- 37. https://www.researchgate.net/publication/239794828_Enhancing_Empathy_and_Theory_of_Mind

- Smith S. (2012). Reading the World: What Young Children Learn from Literature. UCL Institute of Education Press.  

- Vygotsky, S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University press.

استبيان:

شاركونا آراءكم في رحلة منهجيات

شارك