إن لم تحبَّ رفقتهم فلا تعلّمْهم!
إن لم تحبَّ رفقتهم فلا تعلّمْهم!
2021/06/06
أحمد عيد | معلم لغة عربيّة- قطر/ الأردن

للفيلسوف الكبير برتراند رَسل مقالة بعنوان "التّربية والانضباط" نُشرتْ بترجمة بدريّة الرّشيد في العدد 177 من مجلّة "الثّقافة العالميّة" الكويتيّة. وهي بعموم محتواها تشكّل إضاءة مهمّةً للمعلّمين والتّربويّين؛ فهي تعرضُ بعضَ الأساسيّات الواجب توفّرها في أيّ نظريّة تربويّة مُعتبَرَةٍ وذاتِ أثر، كما تناقش حريّةَ الطّفلِ والاتّجاهاتِ التّربويّةَ التي تنظّر لها، ودورَ المعلّم فيها، وضرورةَ التعاون التّربويّ بين المدرسة والبيت لتحقيق التّوازن بين حريّة الطّفل وبين التّوجيه الأخلاقيّ.

إلى جانب هذه الأفكار، يختم الكتاب مقالته بمناقشة نقطة جوهريّة في التّربية والانضباط الصّفيّ وما وراء الصفيّ، ألا وهي طبيعة العلاقة التي تجمع المعلّمَ بالمتعلّم؛ إذ يؤكّد الكاتب أنّ بعض النّظريّات التّربويّة الحديثة حين تغفلُ فكرة الاستمتاع برفقة الطّلبة أو تقلّل من شأنها فإنّها بذلك تُضعِفُ ركنًا من أركان التّربية التي يقومُ عليها مفهوم الانضباط الذّاتيّ والتجاوب الطّوعيّ من قِبَلهم.

يرى رَسل أنّ العلاقة الإيجابيّة بين طرفي التّعلّم: المعلّم/ التّربويّ والمتعلّمين، القائمة على رغبة طبيعيّة حقيقيّة غير متصنّعة في العمل معهم، والاستماع إليهم، وقضاء الوقت بينهم، تخلقُ حتمًا بيئةً صفيّةً ترتكز على احترام متبادل نابع من دوافع ذاتيّة لا مفروضة أو متطلّعة إلى مرغوب أو مرهوب وإنْ ظهرت أحيانًا بعض العقبات أو الاختلافات، ففي هذه البيئة كما يرى رَسل "سيستجيبُ الأطفالُ لاقتراحاتك، ويتقبّلون ممنوعاتك. قد يصاحب ذلك تبرّمٌ مضحكٌ أحيانًا، لكن لن تكون هناك ضغينة" (ص 118).

إنّ الكاتب بالحديث عن فكرة الاستمتاع برفقة الطّلبة يضيف معيارًا أساسيًّا، أو لِنقلْ كفايةً، من الكفايات التي لا يُستغنى عنها في التّأسيس لبيئةِ تَعلّمٍ تتجاوز وصفَها آمنة ومشجّعة إلى كونِها بيئةً واقعيّةً طبيعيّةَ التّفاعلِ ومتوازنةً بين الحريّة والانضباط؛ أيْ إنّ الممارساتِ التّربويّةَ إلى جانب عمليّةِ التّعلّمِ تتحوّلُ إلى تفاعُلٍ وتجاوُبٍ طوعيّينِ يقومان على الملاحظة والاقتداء، وعلى المناقشة والإقناع، وفي حالِ ظهرت بعض الخلافات المتوقّعة، فيمكن إدارتها، في مناخ كهذا، بالطّرق المناسبة التي يستثمرها المعلّم في توجيه الطّلبة عمليًّا إلى كيفيّة إدارة الخلافات ومعالجة المشكلات، بعيدًا عن مبدأ التتبّع فالوعظ فالإكراه فالعِقاب. وعلى بدهيّة هذه الكفاية، وقيمتها الكبيرة من حيثُ هي، ومن حيث آثارها التّربويّة إلّا أنّها قليلًا ما تُطرَح بصفتها مبدأً تربويًّا، أو تُدرَجُ معيارًا يأخذه المعلّم في حسبانه وهو يقيس مهاراته وكفاءته التّعليميّة والتّربويّة، ويطوّرها باستمرار، وكثيرًا ما يقتصر حضورها على شكلِ نصيحةٍ أحيانًا، وعلى شكلِ لحظاتٍ محدودةٍ ومؤقّتةٍ لا ثقافةٍ دائمةٍ وفكرةٍ حاضرة.

 

تكمن خطورة التّعليم المفتقر لمعيار رسل في أنّه ينقلبُ إلى عمليّة تطغى عليها الرّسميّة والآليّة في الأداء والتّعامل مع الطّلبة، هو أمر ينفر منه الإنسان البالغ فضلًا عن الطّفل، فتزداد الهوّة النّفسيّة بين الطّالب وبين المعلّم والمادّة عمقًا، كما يغدو المعلّم أبعدَ عن عالم الطّالب، وتفكيره، واهتماماته، والعقبات التي يواجهها، وهي تفاصيل إن لم يأخذها المعلّم بعين الاعتبار فلن يصل إلى الأساليب التّربويّة والتّعليميّة الأكثر فاعليّةً وأثرًا. كذلك، يرى الكاتب أنّ المعلّم المفتقدَ لهذا المعيار لن تنفعه النّظريّات التّربويّة، التي يعتنقها ويؤمن بها، في لحظة ضغطٍ أو غضبٍ أو ضعفٍ يمرّ بها، ويُخشى أنْ تأخذه مواقف كهذه إلى التّعبير عن الضّغوطات التي يواجهها بطرقٍ تنافي المفاهيم التّربويّة، وتطبع نفسيّة الطّالبٍ بآثارٍ نفسيّة مؤذيةٍ.

في النّهاية، أختم باقتباسينِ من مقالة رسل يلخّصان وجهة نظره تجاه التّربية والتّعليم المنطلقَيْنِ من مبدأ "أنا هنا لأنّي أحبّ أن أكونَ معكم ولأنّي اخترتُ ذلك":

1) "أينما وُجِدَ اللطف المطلوب فلن تكونَ هناك حاجةٌ للقوانين المسبقة عن كيفيّة معاقبة الأطفال المشاغبين... لن يكون هناك أيّ قوانين أفضلُ من المحبّة والمُراعاة" (ص 118).

2) "الاهتمام المرغوب هو الذي ينبُع من المتعة العفويّة بسبب وجود الأطفال حولكَ دونَ وجود أيّ مآربَ أو أهدافٍ، ومَن يملك ذلك من المعلّمين نادرًا ما سيحتاج إلى التّدخل في حريّة الطّفل، لكن سيتمكّن من ذلك في حال دعت الحاجة دون التّسبُّبِ بأيّ ضررٍ نفسيّ" (ص 118).