التقرير العالميّ لرصد التعليم 2026: الوصول والإنصاف – العدّ التنازليّ نحو 2030
التقرير العالميّ لرصد التعليم 2026: الوصول والإنصاف – العدّ التنازليّ نحو 2030

يُعدّ "التقرير العالميّ لرصد التعليم لعام 2026"، الصادر عن منظّمة اليونسكو في آذار/ مارس 2026، الإصدار الأوّل من سلسلة ثلاثيّة تحت عنوان "العدّ التنازليّ نحو 2030". يجهّز التقرير فريق مستقلّ تستضيفه اليونسكو، ويُنشر سنويًّا باعتباره الآليّة المعتمدة لرصد الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، استنادًا إلى إعلان إنشيون 2015 وإطار العمل للتنفيذ.

يركّز الإصدار الأوّل بشكل خاصّ على قضيّتي الوصول والإنصاف في التعليم، معتمدًا على عدّة مؤشّرات رئيسة، ويستعرض التقرير تجارب دراسات حالة، بهدف فهم ما يحدث عندما تلتقي الأجندات الدوليّة بالواقع الوطنيّ.

مؤشّر الأطفال والشباب خارج المدرسة

يركّز هذا المؤشّر على قياس مدى انخراط الأطفال في برامج التعلّم المنظّم قبل سنّ الالتحاق الإلزاميّ، بوصفه مرحلة ضروريّة في تشكيل الاستعداد للتعلّم. تكشف أنماط المشاركة عن تمايز بنيويّ بين مجموعات الدول العربيّة؛ إذ تتموضع دول الاستثمار المبكّر المُستدام – مثل الإمارات وقطر والسعوديّة – في مصافّ المتقدّمة، حيث تُسهم وفرة الخدمات واتّساع نطاقها في رفع معدّلات الالتحاق، مع بروز تحدّيات تتعلّق بجودة المخرجات أكثر منها بمسألة التغطية الكمّيّة. بينما تتشكّل المشاركة في دول التحسّن التدريجيّ – مثل مصر والمغرب والأردنّ – تحت تأثير قيود التغطية غير المتكافئة، لا سيّما بين الحضر والريف، إلى جانب تفاوت الكلفة بين البدائل التعليميّة المتاحة في القطاعين العامّ والخاصّ.

أمّا في دول عدم الاستقرار – مثل اليمن والسودان وموريتانيا – فتتراجع المشاركة نتيجة تداخل العوامل الاقتصاديّة والبنيويّة مع هشاشة السياق العامّ، بما يحدّ من فرص التوسّع في هذه المرحلة، ويُبقيها ضمن دائرة الضرورة المحدودة. ويُظهر التقرير انعكاس القصور في هذه المرحلة على جاهزيّة الأطفال المدرسيّة، وهو ما يُسهم في تعميق فجوات التعلّم في المراحل اللاحقة، بما يعزّز أنماط عدم الإنصاف منذ السنوات الأولى للطفولة، ويجعل من تعزيز الاستثمار في برامج الطفولة المبكّرة مدخلًا لا غنى عنه، لتحسين جودة التعليم على المدى البعيد.

مؤشّر إتمام التعليم

يرتبط هذا المؤشّر بقدرة النظام التعليميّ على الاحتفاظ بالطلّاب حتّى نهاية كلّ مرحلة دراسيّة – الابتدائيّة، ثمّ الإعداديّة، ثمّ الثانويّة – كما يعكس في عمقه مدى مرونة هذه النظم في مواجهة الضغوط. تدعم البيئات التعليميّة الحاضنة وانخفاض معدّلات التسرّب في دول الاستثمار المبكّر المُستدام، استمراريّة التعلّم حتّى نهايته. بينما تتشكّل معدّلات الإتمام في دول التحسّن التدريجيّ بشكل أكثر استقرارًا في المرحلة الابتدائيّة، مقابل تراجع نسبيّ في المراحل اللاحقة، تحت تأثير عوامل من بينها التفاوت الجغرافيّ بين الحضر والريف، وجاذبيّة سوق العمل المبكّر التي تفوق جاذبيّة الاستمرار في التعليم عند مرحلة معيّنة.

بينما تتراجع فرص الإتمام في دول عدم الاستقرار، نتيجة تداخل الهشاشة الاقتصاديّة مع ضعف البنية التعليميّة، بما يدفع أعدادًا كبيرة من الطلّاب إلى مغادرة المسار التعليميّ قبل استكماله، فيتحوّل الإتمام من حقّ إلى ترف يحدّده الوضع المعيشيّ. وهو ما يؤكّد عدم ارتباط التعليم بإتاحة الالتحاق، وقدرة النظام على الحفاظ على دافعيّة التعلّم، وتوفير مسارات تعليميّة جاذبة ومستدامة.

مؤشّر الالتحاق بالتعليم العالي

يقيس هذا المؤشّر مدى انتقال الطلّاب من التعليم الثانويّ إلى مرحلة ما بعده، ويعكس قدرة النظم التعليميّة على إتاحة فرص متقدّمة للتعلّم وتنمية المهارات. تتباين أنماط الانتقال بين الدول العربيّة؛ إذ يُسهم توسّع البنية الجامعيّة في دول الاستثمار المبكّر المُستدام، إلى جانب برامج الابتعاث والاستثمار في التعليم العالي، في تعزيز فرص الاستمرار بعد الثانويّ. بينما تتشكّل معدّلات الانتقال في دول التحسّن التدريجيّ في موقع وسيط، حيث يشهد الالتحاق توسّعًا نسبيًّا، غير أنّه يظلّ مقترنًا بتحدّيات تتعلّق بجودة التعليم، ومدى مواءمته مع متطلّبات سوق العمل.

وتتراجع معدّلات الانتقال في دول عدم الاستقرار، نتيجة قيود اقتصاديّة وضعف الطاقة الاستيعابيّة للمؤسّسات التعليميّة، بما يحدّ من إمكانيّة الالتحاق بالتعليم العالي حتّى للراغبين في المواصلة، فيتحوّل الانتقال إلى حلم يحدّده الوضع المعيشيّ المتأثّر ببنية النظام التعليميّ، وقدرته على إنتاج مسارات دراسيّة مستدامة وذات قيمة سوقيّة.

مؤشّر الإنصاف والتفاوت

يركّز هذا المؤشّر على قياس مدى عدالة توزيع الفرص التعليميّة بين الفئات المختلفة، بما يشمل الفروق بين الذكور والإناث، وبين المناطق الحضريّة والريفيّة، وكذلك بين الشرائح الاقتصاديّة والاجتماعيّة. تكشف البيانات في دول الاستثمار المبكّر المُستدام أنّ الفجوات المرتبطة بالنوع الاجتماعيّ أقلّ حدّة نسبيًّا، مع اتّساع في نطاق إتاحة الفرص التعليميّة بشكل عامّ.

بينما تتشكّل مؤشّرات الإنصاف في دول التحسّن التدريجيّ نحو تقليص تدريجيّ للفجوات، على الرغم من استمرار الفروق بين المناطق الريفيّة والحضريّة، فيتحوّل التفاوت إلى جغرافيّ بدلًا من طبقيّ أو نمطيّ، ما يشير إلى تحسّن جزئيّ في مستويات الإنصاف من دون الوصول إلى تكافؤ كامل. وتظلّ الفجوات أكثر عمقًا في دول عدم الاستقرار، نتيجة تداخل عوامل الفقر والموقع الجغرافيّ والنزاعات، بما ينعكس بصورة مباشرة على فرص الفئات الأكثر هشاشة، خصوصًا الفتيات، فيصير التعليم ضحيّة لتراكم الأزمات.