المداخل التكامليّة في التعليم
المداخل التكامليّة في التعليم

في بدايات تاريخ البشريّة، لم يكن فصلٌ بين المعارف. كانت ثمّة قضايا تشغل عقول البشر فيما يتعلّق بالظواهر الطبيعيّة والكونيّة، وكانت الأساطير بمنزلة "القفزة الأولى" نحو المعرفة، بل ربّما شكلها الرئيس. وللأساطير نظامها الخاصّ، فهي لا تتضمّن ترابطات بين مفاهيم مجرّدة، وهي بذلك تبتعد عن الفلسفة والعلم على حدّ سواء...

يصف دريك وبيرنز (2014) أربعة مداخل رئيسة لتحقيق التكامل بين التخصّصات، إضافة إلى المدخل المنفصل، ويوضّحها الشكل كما يلي:

التدرّج المتواصل في مستوى النهج التكامليّ

C:\Users\User\Downloads\410636976_349298391223568_6432775141945610809_n.jpg

 

1. المدخل التعليميّ المنفصل (Disciplinary)

هذا المدخل هو نهج تعليميّ يركّز على دراسة موضوع أو مجال معرفيّ واحد على نحو مستقلّ ومنفصل عن المجالات الأخرى. وفيه يجري تدريس كلّ مادّة أو تخصّص بمعزل عن الموادّ أو التخصّصات الأخرى، من دون محاولة دمج المعرفة أو ربطها بتخصّصات متعدّدة.

مثال 1: في نظام تعليميّ منفصل، تُدرَّس الرياضيّات على أساس أنّها موضوع مستقلّ؛ إذ يركّز المعلّمون على مفاهيم مثل الجبر والهندسة والإحصاء، من دون محاولة ربطها بطريقة مباشرة بتطبيقات في موادّ أخرى مثل الفيزياء أو الاقتصاد.

مثال 2: تُدرَّس مادّة التاريخ على أساس أنّها مجال منفصل؛ إذ يجري التركيز على الأحداث التاريخيّة وتحليلها، من دون محاولة ربطها بدراسة الأدب أو العلوم الاجتماعيّة.

 

2. مدخل التكامل المتعدّد التخصّصات (Multi-disciplinary)

هذا المدخل هو نهج تعليميّ يرتكز على تجميع المعارف أو المهارات من تخصّصات متعدّدة من دون دمجها على نحو كامل. وفي هذا النهج، يجري الاحتفاظ بحدود التخصّصات واضحةً، وربّما استخدم الطلّاب معارف من عدّة تخصّصات لتحقيق هدف معيّن.

مثال 1: مشروع بحثيّ موضوعه تلوّث المياه

علم الأحياء: يدرس الطلّاب (مثل دور علماء الأحياء) تأثير الملوّثات في الكائنات الحيّة في المياه.

الكيمياء: يحلّل الطلّاب (على غرار الكيميائيّين نسبيًّا) عيّنات الماء لتحديد نوعيّة الملوّثات وكمّيّاتها.

الهندسة البيئيّة: يصمّم الطلّاب (على غرار المهندسين البيئيّين نسبيًّا) حلولًا لتقليل تلوّث المياه.

مثال 2: تطوير برنامج تعليميّ مدرسيّ

اللغة العربيّة: يطوّر معلّمو اللغة العربيّة محتوًى لغويًّا يتوافق مع البرنامج.

الرياضيّات: يصمّم معلّمو الرياضيّات مناهج رياضيّة ملائمة للبرنامج نفسه.

العلوم: يُنشئ معلّمو العلوم وحدات علميّة تسهم في البرنامج التعليميّ.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى معلّمي التاريخ والجغرافيا واللغة الإنجليزيّة وغيرها.

 

3. مدخل التكامل البينيّ التخصّصات (Inter-disciplinary)

وفق هذا المدخل، يتمّ تنظيم المنهاج الدراسيّ من خلال التخصّصات. وعلى الرغم من أن هذه التخصّصات يمكن تحديدها، فإنّها أقلّ أهمّيّة مقارنةً بالمدخل السابق. لذلك، تتضمّن الخطوة الأولى اختيار مهارة (أو مفهوم) أساسيّة ومهمّة بالنسبة إلى الطلّاب لتعلّمها؛ مثل الذكاء الاصطناعيّ، والطاقة المتجدّدة، وغيرهما. ويتمّ تعزيز هذا المفهوم من خلال ربطه بتخصّصين أو أكثر. ويجمع هذا المدخل بين المجالات المعرفيّة المختلفة بطريقة تتجاوز حدودها نسبيًّا.

مثال 1: مشروع تطوير تكنولوجيا طبّيّة جديدة

الطبّ: يحدّد الأطبّاء احتياجات المرضى والتحدّيات الطبّيّة.

الهندسة الطبّيّة الحيويّة: يصمّم المهندسون الطبّيّون أجهزة طبّيّة بناءً على متطلّبات الأطبّاء.

علوم الحاسوب: يعمل علماء الحاسوب على تطوير البرمجيّات اللازمة لتشغيل الأجهزة وتحليل البيانات الطبّيّة.

مثال 2: دراسة تأثير التغيّر المناخيّ في الزراعة

علوم البيئة: يدرس علماء البيئة التغيّرات المناخيّة وتأثيراتها في البيئة.

علوم الزراعة: يدرس علماء الزراعة تأثير التغيّر المناخيّ في المحاصيل الزراعيّة.

الاقتصاد: يحلّل الاقتصاديّون تأثير التغيّرات المناخيّة في الإنتاج الزراعيّ.

 

4. مدخل التكامل العابر للتخصّصات (Trans-disciplinary)

تُدمج المعرفة والمناهج من تخصّصين أو أكثر لخلق فهم جديد، أو منظور جديد، يتجاوز حدود التخصّصات الفرديّة. وفي هذا النهج، تتداخل التخصّصات بطريقة تؤدّي إلى دمج المعارف على نحو أعمق.

مثال 1: مشروع الحفاظ على التراث الثقافيّ في إحدى القرى

التاريخ: دراسة تاريخ القرية.

العلوم الاجتماعيّة: دراسة التراث الثقافيّ للقرية وأنماط العادات والتقاليد فيها.

الفنّ: إنشاء أعمال فنّيّة تعكس تراث القرية من الناحية الثقافيّة.

اللغة العربيّة: كتابة قصص ومقالات عن التراث والتقاليد في القرية.

المشاركة المجتمعيّة: تنظيم فعّاليّات تراثيّة بمشاركة المجتمع المحلّيّ، مثل المعارض التراثيّة والمهرجانات الثقافيّة.

مثال 2: مشروع تحسين البيئة المدرسيّة

علوم البيئة: يدرس الطلّاب تأثير البيئة المدرسيّة الحاليّة في الصحّة الجسديّة-النفسيّة. ويتمّ تجميع الآراء والأفكار، المتعلّقة بكيفيّة تحسين البيئة المدرسيّة، من مختلف أفراد المجتمع المدرسيّ.

الهندسة المعماريّة: يتعاون الطلّاب مع مهندسين لتصميم مساحات مدرسيّة مستدامة ومريحة.

الفنّ: يعمل الطلّاب على إضافة لمسات فنّيّة تعكس ثقافة المدرسة وقيمها.

المشاركة المجتمعيّة: يتمّ إشراك أولياء الأمور والمجتمع المحلّيّ في تنفيذ المشروع (زراعة حديقة في المدرسة مثلًا).

 

كشك، وائل. 2025. عبور التخصّصات والخطابات: منهجيّات وتطبيقات في التعليم التكامليّ. الجزء الأوّل: عبور مسارات التفكير النقديّ: منهجيّات العقل والوعي الاجتماعيّ. إصدارات ترشيد التربويّة. ص37-40.

 

هذا الاقتباس من مشروع د. وائل كشك رحمه اللّه، بعنوان "عبور التخصّصات والخطابات: منهجيّات وتطبيقات في التعليم التكامليّ". وقد رحل د. كشك بتاريخ 7 أيّار/ مايو 2026، بعد أن وضع، قبل أيّام قليلة من وفاته، لمساته الأخيرة على جزء المشروع الرابع والأخير، وكأنّه كان يودّع مشروعه التربويّ الأخير بمحبّة المعلّم وإخلاص الباحث.

وهذه مساحة نُهديها لروحه وإرثه التربويّ والمعرفيّ.