يُعدّ كتاب "تعليم المقهورين" من الأعمال التأسيسيّة الرئيسة في حقل التربية النقديّة. ألّفه المفكّر البرازيليّ باولو فريري، منطلقًا من رؤية مغايرة لدور التعليم في المجتمع، أداة للتحرّر الإنسانيّ بدلًا من أداة للسيطرة. يتناول الكتاب ديناميكيّات السلطة داخل العمليّة التعليميّة، ويسأل عن كيفيّة إعادة التعليم لإنتاج أشكال القهر، وكيف يُسهم – عن طريق الحوار والتفكير النقديّ – في تحرير المتعلّمين.
صدرت الترجمة العربيّة للكتاب في طبعات متعدّدة، أبرزها ترجمة يوسف نور عوض عن دار القلم في بيروت سنة 1980. يقع الكتاب في 139 صفحة، موزّعة على أربعة فصول، تتدرّج من النظريّة إلى التطبيق في عرض مفهوم التربية التحرّريّة. وقد باتت هذه الترجمة من أكثر النصوص تداولًا في الحقل التربويّ والفكريّ العربيّ.
تعليم المقهورين
في الفصل الأوّل، يبني فريري أساسه النظريّ للتربية التحرّريّة باستقراء مفهومي الإنسانيّة ونزع الإنسانيّة، اللذين يُشكّلان جوهر العلاقة بين القاهر والمقهور. ويوضّح أنّ القهر يتجاوز البُنى السياسيّة والاقتصاديّة إلى العلاقات الاجتماعيّة اليوميّة، بما فيها تلك السائدة داخل المؤسّسة التعليميّة. ويذهب إلى أنّ نزع الإنسانيّة عن المقهورين – بوصفها نتاجًا مباشرًا لآليّات القهر – يظلّ قابلًا للتجاوز بالوعي النقديّ والعمل الجماعيّ.
يُبرز فريري في هذا الفصل أنّ التعليم ساحة تُستخدم إمّا لإعادة إنتاج القهر أو تفكيكه. ويرى أنّ أيّ مشروع تعليميّ تحرّريّ ينبغي أن ينطلق من خبرة المقهورين ذاتها، من دون وصاية خارجيّة مفروضة. كما يُلقي الضوء على التوتّر الداخليّ الذي يعيشه المقهور، وتحديدًا الخوف من الحرّيّة، ما يجعل التحرّر عمليّة معقّدة، تتجاوز التغيير الخارجيّ إلى إعادة تشكيل الوعي والعلاقة بالذات وبالآخر.
مفهوم التعليم البنكيّ، ومفهوم التعليم الحواريّ
يُفكّك فريري في الفصل الثاني ما يُسمّيه التعليم البنكيّ؛ أي النموذج السائد الذي يُعامل فيه المتعلّم وعاءً فارغًا تُودَع فيه المعلومات. ويوضّح أنّ النموذج يُعمّق علاقة السلطة غير المتكافئة داخل الصفّ، بحيث يحتكر المعلّم المعرفة، ويُختزل دور الطالب في الحفظ والاسترجاع من دون فهم أو نقد. في المقابل، يطرح تصوّرًا بديلًا يقوم على الحوار بوصفه جوهر العمليّة التعليميّة الفاعلة، بحيث يُصبح المعلّم والمتعلّم شريكين في إنتاج المعرفة.
يُظهر هذا الفصل أنّ جوهر الأزمة التعليميّة عند فريري يكمن في الطريقة التي يُقدَّم بها المحتوى، لا في المحتوى ذاته، إذ يُضعف النموذج البنكيّ (تصوّر تعليميّ يقوم على معاملة المتعلّمين على أنّهم أوعية فارغة يُودِع فيها المعلّم المعرفة بشكل أحاديّ من دون تفاعل أو نقد) التفكير النقديّ، ويُرسّخ ثقافة الصمت والامتثال معًا، وهو ما يخدم استمرار القهر في المجتمع. لذلك، يرى أنّ التحوّل نحو تعليم تحرّريّ يتطلّب إعادة بناء العلاقة داخل الصفّ على أساس التفاعل والتساؤل، بحيث يصبح التعليم ممارسة للحرّيّة لا أداة للضبط والسيطرة.
برنامج التعليم الحواريّ
في الفصل الثالث، يتعمّق فريري في التربية الحواريّة بوصفها بديلًا حقيقيًّا للتعليم البنكيّ. فيوضّح أنّ الحوار يتجاوز كونه أسلوب تواصل داخل الصفّ، إلى موقف وجوديّ يقوم على الاعتراف بالآخر شريكًا في إنتاج المعرفة. ويؤكّد أنّ المعرفة لا تُنقل جاهزة، وإنّما تُبنى عبر تفاعل واعٍ بين المعلّم والمتعلّم، في علاقة ترتكز على الاحترام المتبادل والاعتراف بتجربة كلّ طرف.
يركّز الفصل أيضًا على التوعية النقديّة (الوعي بالواقع)، إذ يربط فريري بين التعلّم والتغيير الاجتماعيّ. التعليم الحقيقيّ في نظره يتجاوز فهم العالم إلى القدرة على نقده وتغييره. ويطرح التعليم القائم على المشكلات بدلًا من التعليم القائم على الإيداع، بحيث تكون القضايا الواقعيّة للمتعلّمين نقطة انطلاق التفكير والحوار والعمل. بهذا المعنى، يتحوّل التعليم إلى ممارسة عمليّة للحرّيّة، وليس نشاطًا ذهنيًّا منفصلًا عن الواقع.
نظريّة القهر، ونظريّة الصراع الثوريّ
يقدّم فريري في الفصل الرابع قراءة معمّقة لبنية القهر بوصفه علاقة مركّبة، ترتكز على منظومة فكريّة وثقافيّة تُعيد إنتاج نفسها داخل وعي الأفراد، لا على القوّة المباشرة وحدها. ويوضّح أنّ استمرار القهر يرتبط جزئيًّا بقدرة النظام القاهر على تشكيل وعي المقهورين – قد يتبنّون بعض قيمه ومعاييره من دون وعي – ما يُرسّخ الاغتراب، ويُعقّد التحرّر فوق مستوى التغيير الخارجيّ في البنية الاجتماعيّة أو السياسيّة.
ينتقل بعد ذلك إلى الصراع الثوريّ بوصفه أداة تحرّر، غير أنّه يُقدّمه باعتباره عمليّة واعية – إلى جانب كونه فعلًا عنيفًا أو مواجهة مباشرة – تهدف إلى إعادة بناء العلاقات الإنسانيّة على أسس أكثر عدالة. ويؤكّد أنّ الثورة المنطلقة من غير وعي نقديّ حقيقيّ، قد تنزلق إلى إعادة إنتاج القهر بأشكال مغايرة، حتّى مع تغيّر الأطراف. وهكذا يصبح التحرّر عنده مسارًا طويلًا يرتكز على الوعي والممارسة الجماعيّة، بحيث لا يكتفي بإسقاط القهر، وإنّما يسعى لبناء واقع إنسانيّ بديل يمنع إعادة إنتاجه من جذوره.
تجاوز كتاب تعليم المقهورين حدود النصّ التربويّ التقليديّ، ليصبح مرجعًا فكريًّا يفكّك علاقة التعليم بالسلطة وبناء الوعي، إذ تتجاوز أهمّيّته نقد النماذج التعليميّة السائدة، إلى إعادة تعريف التعلّم ذاته بوصفه ممارسة للتحرّر. وبهذا يتقاطع مع منطق التعليم الشعبيّ الذي ينقل مركز العمليّة التعليميّة إلى الناس أنفسهم، بحيث تنبع المعرفة من واقعهم وتجاربهم اليوميّة، ويتحوّل التعلّم إلى ممارسة جماعيّة نقديّة تتأسّس على الحوار، وتستهدف تغيير شروط الواقع وليس التكيّف معها. حافظ التحوّل في الفهم على حضور الكتاب في التربية وعلم الاجتماع ودراسات التنمية، بوصفه إطارًا يربط بين التعليم والتغيير الاجتماعيّ، وأظهر قيمته في طرح سؤال دائم حول دور الإنسان داخل العمليّة التعليميّة: هل هو متلقٍّ سلبيّ أم شريك في إنتاج المعرفة؟
كما يمتدّ أثر الكتاب خارج السياق الأكاديميّ إلى الممارسة اليوميّة داخل الصفوف وخارجها، إذ يدفع القارئ إلى إعادة التفكير في علاقته بالمعرفة والسلطة. ويظلّ الكتاب مفتوحًا على التأويل والتطبيق، محتفظًا براهنيّته على الرغم من تباين الأزمنة والسياقات.





نشر في عدد (25) صيف 2026