كي لا نقتلَ ثقافة التعلّم
كي لا نقتلَ ثقافة التعلّم
أحمد عيد | معلم لغة عربيّة- قطر/ الأردن

تقديم

من القيمِ المحوريّة في العمليّة التعليميّة، والمشتركة بين المناهج والموادّ الدراسيّة على اختلافها قيمةُ التعلّم، بمعنى أن نستكشف في الطالب رغبته الذاتيّة في التعلُّم، وأن نعمل على تحفيزِها وتطويرها إلى أن تتمثّل في حياته قيمةً أساسيّةً وعيًا وممارسةً، فيصبح التساؤل، والتفكير، والبحث، واكتساب المعلومة مهاراتٍ ملازمةً للطالب طيلة حياته الدراسيّة بدايةً، وطيلة حياته العمليّة نهايةً. وبما أنّ المناهج التعليميّة تتّفق على هذه القيمة من جهة المبدأ، فإنّ هذه المقالة ستلقي نظرةً على بعض الممارساتِ الميدانيّة التي قد تؤثّر سلبًا في تقديم هذه القيمة وتفعيلها لدى الطلبة.

 

ممارسات تقتل التعلّم

على الرغم من الاتّفاق على مركزيّة الطلبة في عمليّة التعلّم، وعلى أنّ من أبرزِ أهداف المناهج الدراسيّة إعدادَ أشخاص يؤمنون بأنّ اكتساب المعرفة عمليّة لا تنتهي بانتهاء مرحلة الدراسة، فإنّ هذه الأهداف تتعرّض لبعض الممارساتِ التي من شأنها أن تصوّرها بصورةِ أهدافٍ يمكنُ إرجاؤها وتأجيلها أو حتّى تجاوزها لسببٍ أو لآخر، ولعلّ أبرز هذه الممارسات ما يأتي:

 

1- إعطاء الأولويّة لإنجاز المادّة أو تطبيق الخطّة بحرفيّتها، وعدم العناية بما تثيره من أفكار وتساؤلات:

يبدأ المعلّم الكُفءُ الفصلَ الدراسيّ وقد أعدّ منهاجًا شاملًا متكاملًا، يوازن في محتواه بين الحقائق والمعلومات وبين الجانبِ النقديّ الذي يفسح المجال للطلبة ليتأمّلوا فيما يدرسونه، ويفكّروا في أبعاده، ويسعوا لتتبّع فضولهم الذاتيّ وأسئلتهم الخاصّة فيما يتعلّق بتفاصيل هذا المحتوى، الأمر الذي يغني عمليّة التعلّم بالأسئلة والنقاش بين الطلبة والمعلّم، وبين الطلبة أنفسهم، وبحلقات المناظرة والجدل، وبالبحث واستخراج المعلومات وعرضها. وبعد مضيّ بضعة أسابيع من الفصل الدراسيّ، تزدحم المهمّات والواجبات المطلوبة من المعلّم والطلبة. ومع الأخذ بعين الاعتبار مجموع الموادّ التي يدرسها الطلبة، إلى جانب السقف الزمنيّ لإعداد التقييمات وتقاريرها، فإنّ حالة النشاط المعرفيّ هذه تتعرّض لنوع من الاختزال، وأحيانًا التجاوز تمامًا، وتصبح أولويّة العمل مع الطلبة إنجاز الجزء المطلوب من المحتوى، استعدادًا للتقييم الذي يجب أن يغطّي كمًّا محدّدًا منه.

من شأنِ هذا السلوكِ أن يوحيَ بأنّ هذا التعلّم الخلّاق الذي ابتُدئَ به الفصل ما هو إلا حالةٌ طارئة مؤقّتة، محكومة بفائض الوقت ما دام متوفّرًا، ويمكن _إذا دعا الأمر_ أن ننحّيه أو نستثنيه، وأمّا ما لا يتمّ التعلّم إلّا به، والذي له الأولويّة القصوى، فهو إنجاز المادّة المقرّرة في الوقت المحدّد بغضّ النظر عن تفاعل الطلبة معها، وفرصتهم لتأمّلها والتفكير فيما تعرضه من موضوعات، وإثارة الدافعيّة لتتبّع تفاصيلها والبحث في سياقاتها، فيغدو كمّ التعلّم مقدَّمًا على نوعيّته.

 

2- مركزيّة المعلّم في تناول المادّة، تبعًا لبناء المنهاج، أو لأساليب عرضه:

في هذا الجانب تنشأ المشكلة من إحدى زاويتين:

- المحتوى التعليميّ غير المتوازن، الذي يقوم على ضخّ كمٍّ كبير من المعلومات التي يُكلَّفُ الطلبة باستظهارها وإتقانها والدوران في فلكها فقط، ولا يقرن المحتوى المعرفيّ بعوامل التحفيز وإثارة دافعيّة الطالب، ولا بالمحتوى النقديّ أو الجدليّ.

- الأساليب التي يقدَّم من خلالها المحتوى – وإن كان في مخطّطه تفاعليًّا – إذ من شأن الأساليب غير الملائمة أن تحوّل أشدّ الموادّ التعليميّة تفاعليّةً وإذكاءً لحماسِ الطلبة إلى مادّة جامدة مكوّنة من كتاب فملخّص فحفظ فاستذكار، ولا دافع وراء ذلك إلى تساؤل أو تفكير أو بحث.

يؤدّي ذلك إلى مركزيّة المعلّم في عمليّة التعليم؛ فهي في جُلِّها تقومُ على عرضِه للمادّة وشرحه لتفاصيلها، ما قد يؤكّد للطلبة أنّ التعلّم مقتصرٌ على دور المعلّم، وأنّ المعرفة مُعادِلةٌ فقط للمادّة المقدّمة داخل الغرفة الصفّيّة. وطبيعيٌّ _والحال كذلك_ أن يغدوَ التقييم قائمًا على معرفةِ الطالب بالمحتوى مقتصرًا عليها، بعيدًا عن ملاحظة أثر ما يتعلّمه الطالب في تكوينه المعرفيّ، وتطوُّر مَلَكاته التعلّميّة _إن صحّ التعبير_ المتمثّلة في قدرته على تأمّل المحتوى المطروح، ومناقشته ونقده، وحافزه الذاتيّ لإثراء معلوماته عنه، وصولًا إلى تكوين مفهوم أو وجهة نظر خاصّة، فالأثرِ الذي يُحدِثه ذلك كلّه في حياته ومحيطه.

 

3- عدم إعطاء الطلبة بعض "صّلاحيّات التعلّم":

مع أنّ هذه النقطة ذات صلة بسابقتها؛ إذ تعزّز بدورها من مركزيّة المعلّم في عمليّة التعلّم، إلّا أنّ من الأفضل إفرادها بالحديث لعلاقتها _بعيدًا عن المنهاج وأساليب تناوله_ بالعنصر الرئيس في عمليّة التعلّم، ألا وهو الطالب.

تتمثّل المشكلة هنا بعدم منح الطلبة صلاحيّات التعلّم التي تؤكّد لهم عمليًّا أنّ التعليم الناجح يتطلّب دورهم ومساهمتهم الفاعلة، كما تشعرهم بمسؤوليّة التعلّم الواقعة عليهم. هذه المسؤوليّة التي تترتّب عليها إجراءات عمليّة من قِبَلهم يجسّدها وعيهم ومتابعتهم للمحتوى الذي تطرحه المادّة، وسعيهم للمشاركة في إثرائه بالمناقشة والإضافة والتوسّع وتشارُك المعرفة والخبرات. والمقصود بصلاحيّات التعلّم إجراءاتٌ عديدة قد تكون شائعةً معروفةً في الحياة المدرسيّة، إلّا أنّ علينا تكثيفها، وجعلها فقرةً دائمةً في تخطيط الموادّ الدراسيّة، والأهمّ أن يرى الطلبة تأثيرها وقدرتها على التغيير في واقع التعلّم.

يمكن إجمال هذه الإجراءات فيما يأتي:

- مساهمة الطلبة في تقييم أعمال بعضهم بعضًا بالملاحظة والنقد والتغذية الراجعة؛ فلا يقتصر تقييم أعمالهم على المعلّم، بل يتحمّل الطلبة بعض المسؤوليّة في ذلك.

- تفعيل تبادل الأدوار بين المعلّم والطلبة في عدّة مجالات، كتكليف الطلبة بتقديم بعض الدروس وإدارتها، وحثّ الطلبة على تبادل خبرات التعلّم، وأن يضطلع الطلبة بمهمّة مساعدة زملائهم والإجابة عن تساؤلاتهم بإشراف المعلّم. مثل هذه السلوكيّات تثبت للطّلبة أنّهم قادرون على تحمّل مسؤوليّة تعلّمهم، وأنّهم شركاء معاونون للمعلّم في عمليّة التعلّم، إضافةً إلى أنّها تشحذ _عمليًّا_ مهاراتِ التعلّم التي يجب تزويد الطلبة بها من أجل إعداد متعلّمين مدى الحياة (Lifelong learners).

- تجنّب مفهوم الإجابة النموذجيّة، بمعنى الإجابة الواحدة المعتمدة التي على الطلبة التزامها، أو محاكاتها والاقتراب منها قدر الإمكان، والاكتفاء بالاتّفاق على طبيعة الإجابة وما يجب أن تتناوله؛ لأنّ من شأنّ الإجابة النموذجيّة أن تجعل من تفكير الطالب _دونَ وعيٍ أحيانًا_ مقولبًا مقيّدًا بإطارٍ مُحدّد، وما عليه إلّا أن يتحرّك ضمنه، بدلًا من التعبير عن أفكاره بحريّة.

- إشراك الطلبة في تقييم نوعيّة المادّة وطريقة عرضها؛ أي إبداء رأيهم فيما تعرضه من موضوعات، وتلبيتها لاحتياجاتهم واهتماماتهم، وإفساح المجال لهم لاقتراح البدائل التي يرونها أقدر على محاكاة طموحاتهم تجاه المادّة، إلى جانب اقتراح ما يفضّلونه من أساليب تضمنُ إقبالهم وتفاعلهم.

إنّ تفعيل هذه الإجراءات كفيل بأن يجعل الطلبة يدركون دورهم ومسؤوليّتهم في التعلّم، وأن يعتادوه ممارسةً يوميّةً، وأن يطوّروا ما يلزمهم لذلك من مهارات.

 

4- غياب القدوة المتعلّمة:

حينما يدورُ الحديث عن المعلّم الناجح والصّفات التي ينبغي أن يتحلّى بها، عادةً ما يتبادرُ للذّهن أنّ المعلّم الناجح معلمٌ يتقنُ التدريس ويحبّه، ولا يؤخذ بالحسبان أنّ المعلّم الناجح يحبّ أن يتعلّم بقدر ما يحبّ أن يعلّم، وأنّه يبحث عن المعلومة أو المهارة الجديدة في الوقتِ ذاته الذي يشارك طلبته معارفه وخبراته.

إنّ غيابَ القدوة المتعلّمة يجعلُ من كلّ محاولات تحفيز التعلّم الذاتيّ وتطوير مهاراته عمليّة منقوصة تفتقد للتّجسيد الحيّ لهذا الفضول وهذه المهارات؛ فحين لا يرى الطلبة من المعلّم إلّا جانب نقل المعرفة، أو توجيه الطلبة إلى العثور عليها، ولا يرونَ جانب التساؤل، والشكّ، والبحث، والاستعانة بمصادر التعلّم المختلفة لإثراء المعرفة وتعزيزها، كما لا يلمسون حرصًا من المعلّم على التطوير المستمرّ لأساليب التعليم ومهاراته، فإنّنا تلقائيًّا نؤكّد للطّلبة أنّ التعلّم ليس إلا مرحلةَ الدراسة، ولا تلبث هذه المرحلة أن تنتهي، وعندها يتوقّف التعلّم، ونؤكّد إلى جانب ذلك اختصار مصادر المعرفة في المعلّم فقط، الذي يملك المعرفة، ولديه الإجابة الصّحيحة عن كلّ سؤال.

إنّ الصورة الواقعيّة لعمليّة "التعلّم" الناتجة عن الممارسات السابقة ستكون كالآتي:

التعلّم عبارة عن نشاط مرحليّ مؤقّت، لا بدّ من اجتيازه بنجاح للوصول إلى المرحلة التالية، هذا النجاح يتمثّل في تحصيل النتائج المطلوبة لإنهاء هذه المرحلة، ولتحقيق هذه النتائج على الطلبة أن يظهروا معرفةً جيّدةً بالمحتوى الذي تمّ تناوله خلال الفصل أو العام الدراسيّ، وإذا ما واجه الطالب صعوبةً في بعض تفاصيل المحتوى الدراسيّ، فما عليه إلّا التوجّه إلى المعلّم الكفيل بحلّ مشكلات التعلّم كافّةً.

 

خلاصة

إنّ صورة التعليم هذه _إلى جانب تعارضها مع المناهج التعليميّة كافّة، ومع أساسيّات المفاهيم التربويّة_ قد تلقّت وسطَ ظروف التعليم الراهنة في ظلّ جائحة كورونا هزّتها الأخيرة، وذلك من خلال المفاهيم التعليميّة التي أثبتتها الجائحة عمليًّا؛ إذ أسهمت في تعزيز مسؤوليّة الطالب في عمليّة التعلّم، وأثبتت أنّ التعلّم أكبرُ وأدومُ وأوسع من الغرفة الصفّيّة والحصّة الدراسيّة والكتاب المقرّر، ولعلّ من أهمّ ما أكّدته هذه الأزمة أنّ نجاح المعلّم _إلى جانب كفاءته التدريسيّة_ ونجاح الطالب _إلى جانب متابعته للمحتوى الدراسيّ_ مرهونان بقدرة كليهما على تعلّم المهارات الجديدة، وتطوير وسائلهما وأساليبهما التعليميّة والتعلّميّة، ومجاراة التغيّرات المحيطة بسرعة واقتدار. لقد كان التعليمُ في ظلّ أزمة كورونا، برهانًا حقيقيًّا على أنّ عناصر العمليّة التعليميّة جميعًا متعلّمون، وما علينا إلّا أن نجعل من معطيات هذا الظّرف الخاصّ استراتيجيّةً دائمةً وسلوكًا عامًّا.