"تكييش"* المعرفة أو استلاب القوّة المحرّكة للتعلّم
"تكييش"* المعرفة أو استلاب القوّة المحرّكة للتعلّم
د.خالدة موسى إسماعيل قطاش | معلمة لمساقي نظرية المعرفة والتحليل الأدبي والأداء المسرحي، ومنسقة مساق نظرية المعرفة - الأردن

من الظواهر التي أعيشها في مجتمعي المدرسيّ، وألاحظ ظهورها في المجتمعات المدرسيّة الأخرى ظهورًا سافرًا أكثر من أيّ وقت مضى، ظاهرة "تكييش" المعرفة، كما أفضّل تسميتها. أعني بها إدراك المعرفة بأنّها شيء يقاس بقيمة رقميّة أو عملة، والعملة في عالم المدارس هي العلامة.

من المفارقات التي اعتُبِرت لدى الكثيرين نكتة طريفة إبّان جائحة كورونا، تسابُقُ الأمّهات على الدراسة وتقديم الامتحانات، عوضًا عن أطفالهنّ، بغية تأمين العلامات الأعلى لأبنائهنّ. وكم تعدّدت النكات حول خلافات الأمّهات وتنافسهنّ على العلامة، وهو أمر أبعد ما يكون عن الطرافة إذا ما تعمّقنا في التفكير في معناه؛ فهو يعني أنّ تعلّم الطلبة ليس الهدف من الدراسة، بل العلامة، حيث يصبح الطالب غائبًا عند حضور العلامة. وبذلك، تخبو القوّة المحرّكة للطلبة والمعلّمين، ويصبح التعلّم، ربّما في أفضل حالاته، عمليّة اجترار للمعلومات التي يفرغها الطالب على ورقة الامتحان، حيث يتلاشى أثر تعلّمها.

 

محرّكات حضور الطلبة إلى المدرسة

ثمّة مؤشّرات في الحوارات التي نعقدها مع الطلبة حول تعلّمهم، تدعونا حقًّا إلى التأمّل في واقع هذا التعلّم. ومن الأسئلة التي أُصرّ على طرحها أثناء تدريسي مادّة نظريّة المعرفة: "لماذا تأتون إلى المدرسة؟" تختلف إجابات الطلبة، ولكنّ أكثرها شيوعًا ثلاث، هي: "للحصول على معدّل يدخلنا الجامعة"؛ و"لنصبح أذكياء"، و"لأنّ أهلنا يريدون ذلك". وهي إجابات تمثّل المحرّكات الآتية:

 

دخول الجامعة

يعتقد بعض الطلبة أنّ معدّل علاماتهم يُدخِلهم الجامعة، ومن المهمّ هنا الانتباه إلى كلمة "يُدخِلهم" المُستخدَمة للتعبير عن هذا الهدف. فيبدو أنّ استخدام فعل ليسوا بفاعليه يعبّر عن تغييب الذات من ناحية، وعن انتقال مكانيّ، من ناحية أخرى. وكأنّ عمليّة الانتقال المكانيّ من المدرسة إلى الجامعة عمليّة ميكانيكيّة لا تفاعل فيها. أمّا العامل الرئيس الذي يُدخِلهم الجامعة فهو المعدّل؛ أي أنّ أمرهم معلّق بـ"رقم" يحصلون عليه في اختبار نهائيّ يُحدِّد مصيرهم، وما يهمّهم هو تحصيل الرقم، لا تحصيل المعرفة والتعلّم. تكمن المشكلة الأخرى في غياب السياق وتفاصيله؛ ففي الأردن، هناك حدود دنيا للقبول في كلّ مجال من التخصّصات الجامعيّة، وهذا مرتبط بدوره بشدّة الطلب على التخصّص، فضلًا عن وجود تنافس متّصل بتوزيع المعدّلات، بالإضافة إلى الفروقات الواردة بين التقدّم إلى جامعات خاصّة والتقدّم إلى جامعات حكوميّة. من هنا، نجد أنّ التفكير المطلق في اعتماد دخول الجامعة على المعدّل اعتمادًا رئيسًا، قد لا يكون دقيقًا من دون فهم السياق الذي يختار الطالب وفقه. يدفع هذا إلى التساؤل عمّا إذا كان الوعي بوجود الخيار حاضرًا عند الطلبة وأهلهم ومعلّميهم؟ أم أنّ التعامل يكون مع المُطلَقات خارج السياق الواقعيّ، ما يؤدّي إلى تغييب القوّة المحرِّكة لديهم؟  

 

اكتساب الذكاء

يكشف هذا المحرّك عن عدم اعتقاد الطلبة بأنّهم أذكياء، وعن نظرتهم إلى المعرفة على أنّها أمر خارجيّ لا جزءًا أصيلًا فيهم. أنوّه هنا إلى أنّنا نميِّز الأطفال بحسب أعمارهم، ونغذّي هذه الفكرة في أطفالنا منذ الصغر. ورغم ما يتضمّنه المثل العربيّ القائل: "أكبر منك بيوم، أعرَف منك بسنة" من حكمة كبيرة تُظهِر أهمّيّة الخبرة في الحياة، إلّا أنّه لا يعني أنّ صغار السنّ لا يمتلكون من المعرفة ما يؤهِّلهم للتحلّي بالذكاء في استخدامها. تدفعني هذه الإجابة من الطلبة إلى التأمّل والتساؤل عمّا إذا كان مثل هذا التمييز الواعي، أو اللاواعي، يُشكِّل عاملًا آخر يؤدّي إلى تغييب قوّة الطلبة المحرِّكة في الأخذ بزمام تعلّمهم وامتلاك معرفتهم وتنميتها بما يرونه مناسبًا؟  

  

 اتّباع إرادة الأهل

يُظهِر هذا المحرّك إرادة الطلبة المسلوبة، فنشعر كأنّهم مجبرون على مسار رسمه الأهل والمجتمع، وهم يتّبِعونَه لأجل أهلهم أو معلّميهم. أنصح طلبتي عادةً، في هذا السياق، برفض القيام بأمر يريده غيرهم ولا يريدونه، وأستمرّ معهم بالنقاش حتّى يستنتجوا أنّهم ليسوا مسلوبي الإرادة، وأنّ هناك ما يرغبون به ويستحقّ وجودهم في هذا المكان. فتُرى، إلى أيّ مدى يُسهِم النظام المُخطَّط له وفق المنظومة المدرسيّة في استلاب وعي الطلبة بقوّتهم المحرِّكة للتعلّم؟ وهل نُسهِم نحن، المعلّمين، في ذلك؟ أم أنّنا جزء منه أيضًا؟

 

واقع "التكييش" بين فترتين

لا أستطيع أن أتجاهل ما أسهمت به جائحة كورونا من سلب الطلبة والمعلّمين قوّتهم المحرِّكة. ففي فترة الجائحة، سادت بعض المفاهيم التي فاقمت تغييب القوّة المحرّكة لدى الطلبة والمعلّمين، مثل "التعلّم عن بعد"، و"الفاقد التعليميّ"، و"التباعد الاجتماعيّ"، و"الوضع الطبيعيّ الجديد"... وكلّها تعبيرات مفارقة للواقع والمأمول. ألم يهدف التعلّم عبر الإنترنت إلى إبقاء التواصل والتعليم؟ وفي أفضل حالاته، ألم يكن تعلّمًا فيه قرب، رغم ظروف الحجر المفروضة؟ ألم يضفِ البقاء في المنازل خبرةً جديدة إلى الطلبة والمعلّمين، بحيث أنتجت تعلّمًا غير مسبوق للجميع؟ فكيف نسمّي هذا التعلّم الذي جرى عن بعد "فاقدًا" لمجرّد أنّه غير مُخطَّط في المناهج التي تعزلنا عن الواقع؟ ألم يخلق تباعدنا المكانيّ في فترات الحظر تواصلًا وتقاربًا من نوع فريد؟ وأيًّا يكن، فإنّ النظرة المُطلقة إلى المدرسة والتمدرس بقيت على جمودها، إذ لم تتخلّ عن "تكييش" المعرفة فحسب، بل عمّقت أثر هذه الظاهرة وزادتها حدّة.

أمّا الآن، وبعد فترة من عودتنا إلى المدرسة، لا تُشبه حالُنا ما كانت عليه قبل الجائحة؛ فآثار الألم لا تختفي بالسرعة ذاتها التي تحدث بها. لم تبدأ ظاهرة "تكييش" المعرفة في زمن كورونا، بل تفاقمت خلاله بفعل الإعلام الاجتماعيّ والثقافة التي رسّختها مؤسّسات التعليم الرسميّ، وخطابها المليء بالحتميّة التي تشرّبها الناس. لذلك، علينا مخاطبة هذه الظاهرة، بأن نعترف بوجودها التراكميّ، والتعرّف إليها لتفتيتها من الداخل. وأنا لا أرى مفرًّا من أن نحرِّر التعليم من كلّ العوامل الآسرة له، وأوّلها سيطرتنا على الطالب وما يتعلّمه، والثقة بأنّ خططنا التعليميّة التي تعرّضه للخبرات دون تحديد النهايات، هي التي تمكّنه من امتلاك تعلّمه ومعرفته. ولعلّ تقديم المثال الحيّ من صميم الواقع هو الأكثر قدرة على توضيح مفهوم القوّة المحرّكة للطلبة المُذَوِّتِين (Internalized) لتعلّمهم، فضلًا عن المعلّمين الذين يتحرّرون من أسر العلامة ليركّزوا في تعليمهم على المعنى والحكمة والحب. 

 

أنموذج تجربة في مواجهة "التكييش"

قبل فترة، قرّرنا نحن، معلّمي نظريّة المعرفة، مرافقة المتعلّمين في "حصّة في الحارة"، حيث أردنا أن يتعرّض طلبتنا لخبرات مع الناس، ويمارسوا معرفتهم في الحياة اليوميّة، لأنّ نظريّة المعرفة مساق يرتكز على التفكّر في ماهيّة المعرفة وأشكالها وإشكالاتها. لذا، تحرّينا جميع الأماكن التي يمكن للطلبة زيارتها، مثل المتاحف والمعارض الفنّيّة والمحلّات التجاريّة المتخصّصة والمكتبات، إضافة إلى بعض محلّات المصنوعات اليدويّة كالجلد أو الصابون، وأماكن أثريّة وتاريخيّة، فتكوّنت بين أيدينا قائمة من 36 مكانًا للتعلّم الحيّ. نظّمنا رحلة على الأقدام لطلبة الصفّ الحادي عشر، البالغ عددهم 95 طالبًا، نجوب فيها أرجاء حيّ المدرسة. قسّمنا الطلبة إلى 12 مجموعة، رافق كلًّا منها معلّم من مساقاتهم الأخرى. وكلّفنا كلّ مجموعة بثلاث أسئلة معرفيّة، حيث اختار الطلبة أدوارهم بين أن يكونوا كتّابًا للمحتوى، أو مقرِّرين، أو مصوِّرين، أو مقدِّمين يقدِّمون عرضًا في نهاية اليوم لجميع الحاضرين. تشاركَ الطلبة والمعلّمون البحث عن إجابات للأسئلة، والتي تتعلّق بأهداف المعرفة وسياقاتها ومناظيرها، والأبعاد الثقافيّة والدينيّة والأخلاقيّة لإنتاجها، بالبحث عن أمثلة واقعيّة من الحياة، تدعوهم إلى التفكير في الأسئلة. كان الطلبة هم الباحثون عن المعرفة في هذا النشاط، ورغم أنّنا اقترحنا عليهم أماكن لزيارتها وزوّدناهم بمواقعها على خرائط غوغل، ذكّرناهم بأنّ حرية القرار لهم، وأكّدنا لهم أنّ بإمكانهم التصوير والكتابة عن أيّ مثال يرونه مناسبًا، إذ هم الحكّام والمقرِّرون.

لاحظ المعلّمون في هذه الرحلة أنّ الطلبة لم تحرّكهم العلامة، ولم تضبطهم قوانين الانضباط المدرسيّ، ولم تحكمهم الأفكار المُسبَقة، مع أنّ ذلك قيّدهم بعض الشيء في بداية الجولة. لكنّهم سرعان ما أدركوا بوعي أنّ الأمر بيدهم، فحَكمتْهم الأسئلة وفضولهم، وحكمهم اكتشافهم قدرتهم القويّة على الاستكشاف بدافع الفضول، كما حكمهم شعورهم بأنهّم عارفون وقادرون على اكتساب المعرفة وإنتاجها. وفي النهاية، عمد كثير منهم إلى استخدام الأمثلة التي اختاروها من أماكن اكتشفوها وقدّروها بأنفسهم، وتعلّموا ما أرادوه هم، فاحتضنّا تعلّمهم الذي أثار الكثير من النقاشات المُعمَّقة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ توفير المدرسة هذه المساحة من الحرّيّة والدعم والاحتضان من العوامل الرئيسة التي تُسهِم في التحرّر من الـ"تكييش".

* * *

قد تدفع أيّ جائحة بالإنسان تلقائيًّا إلى محاولة السيطرة على محيطه، ويبدو أنّ هذا ما حصل في السنوات القليلة الماضية. ولكنّها تبقى فرصة للتأمّل: هل كنّا كذلك من قبل؟ كيف؟ ما نحن فاعلون الآن؟ كيف نترجم وعينا بالمستقبلَ القريب أو البعيد عمليًّا؟ كيف نتحرّر من الـ"تكييش" وقيم مادّيّة كثيرة أخرى، تدفعنا إلى تقنين المعرفة بقياسها بأرقام مبهمة وتجاوز التعلّم؟ وكيف نستعيد قوّتنا التي تحرّكنا لإعطاء معنى التعلّم من أجل الحياة؟ أسئلة ما زلتُ أتأمّل فيها كلّ يوم، وأجد السهل الممتنع الذي نستطيع تأديته ببعض الإرادة والأمل والحب.

 

*  "تكييش" اشتقاق شخصيّ من كلمة cash باللغة الإنجليزيّة.

 

مراجع للاستزادة

 

  • Biesta, G. and Tedder, M. (2006, February). How is Agency Possible? Towards an Ecological Understanding of Agency-as-Achievement. University of Luxembourg, Education & instruction. Luxembourg: The Learning Lives project. http://hdl.handle.net/10993/13718 

 

  • Fasheh, Munir. (2022, September). Watch Out! We Have Been Invaded by the Euro-American Math for Over a Century!. Paul Ernest (Ed.). Philosophy of Mathematics Education Journal.

 

  • Priestly, M., Biesta, G., & and Robinson, S. (2015). Teacher Agency: What Is It and Why Does It Matter? In J. E. R. Kneyber (Ed.), Flip the System: Changing Education from the Ground Up.  

 

  • Qattash, Khalida. (2018). Teacher Agency within Ecological School Contexts: a comparison between two generations of teachers (Ph.D.). University of Jordan School of graduate studies.