التعليم الشامل كطريق إلى العدالة الاجتماعيّة والوحدة الثقافيّة
التعليم الشامل كطريق إلى العدالة الاجتماعيّة والوحدة الثقافيّة

في هذا العالم العجيب القلب – اتّضح أنّ أنسب صيغة مناسبة من التعليم إنّما هي صيغة التعليم الشامل. وكلمة "شامل" هي الأخرى من مصطلحات الطفرة الكبرى، ابتداء من "الحرب الشاملة" التي طوّرت الحرب وحوّلتها من فروسيّة أفراد، إلى مجابهة دول وإبادة بالحملة، أي إبادة شاملة، إلى النظم "الشموليّة" التي تقحم نفسها في كلّ خصوصيّات الفرد، ولا تعترف به إلّا كشذرة صغيرة تخدم أغراضها، إلى العيادة الشاملة التي يفحص فيها جسم المريض فحصًا شاملًا، وتكشف علّة مفاصله في تسوّس أسنانه، وطرشه في أمعائه وطحاله، إلى المسرح الشامل الذي يزوّد الفرد بجملة فنون في فنّ واحد شامل. فلم يعد الوقت يسمح بالاستمتاع بالتمثيليّة وحدها والموسيقى وحدها والرقص وحده، لذا أُدمجت كلّ هذه الفنون، ما دامت كلّها تسعى لتحقيق غاية واحدة، وهي الفرفشة والمتعة.

وقد تكون هذه الصورة كريهة لمعنى الشمول، ولكنّها في التعليم لا تخلو من مميّزات جمّة: فقد صحّحت صورة التخصّص الضيّق الذي انتشر في أعقاب الثورة الصناعيّة، والذي أرغم الفرد على الانقطاع لعمل واحد طيلة حياته، وأدّت هذه الحالة إلى عبادة الآلة، وأكرمت الإنسان في ظنّها عندما حوّلته إلى "ترس" صغير من آلة ضخمة. وترحّم المفكّرون على العصور السالفة عندما كان الفرد يشعر بفردّيّته واكتماله، فهو يصطاد فريسته، ويفرض الشعر، ويعزف على الربابة، ويشعر بقدرته على الاكتفاء بذاته. ولم تكن شخصيّة روبنسون كروزو الشخصيّة الفريدة التي اكتفت بذاتها، فكلّ جدودنا كانوا "روبنسون كروزو" عندما يشعرون بالخطر الخارجيّ، وبقرب اندلاع حرب، إذ كانوا يحوّلون بيوتهم وكهوفهم إلى جزيرة كروزو. وعندما نقرأ هذه الرواية وأمثالها، أو نسمع عن كُتّاب ألّفوا الموسوعات وحدهم، نحنّ إلى شاعريّة هذه العصور، ونلعن عصرنا وآليّته ومادّيّته، ونلعن الأقزام الذين حلّوا محلّ العمالقة العظام. وفي عالمنا آثار من هذا العالم القديم تثير دهشتنا وإعجابنا، فنحن نعجب عندما نسمع عن طبيب شاعر أو موسيقي، أو قاضٍ مصوّر، أو زارع من علماء الاقتصاد. كلّ هذه المعاني يحاول التعليم الشامل إعادتها إلى الحياة: فهو يسعى إلى إعادة الفرد إلى سابق عهده، بتعليمه جملة حِرف بدلًا من الحرفة الواحدة، وبذلك يحلّ مشكلة التخطيط الاقتصاديّ الذي عجز عن عمل خطّة واحدة، توفّر عملًا لكلّ فرد، وتتنبّأ بمستقبله وبعمله وإنتاجيّته، وهل ستعوّض ما يستهلكه، أو أنّه سيكون عبئًا جديدًا على الموارد المتخمة.

 

ويحلّ التعليم الشامل المشكلة الاجتماعيّة والسياسيّة المترتّبة على التفاوت بين الطبقات، وسيطرة أقلّيّة بتراثها واحتكارها للعلم والتعليم، أو استبداد الأكثريّة المطحونة التي تشعر بالحرمان، ولا تتردّد عن هدم الحضارة ذاتها، إذا لم تأخذ نصيبها كاملًا من خيرات العالم! فالتعليم الشامل يعد بالقضاء على كلّ ازدواجيّة، ويخلق وحدة شاملة بين أبنائه، ويشعر الجميع بالرضا؛ لأنّهم يختارون ما يناسبهم من تعليم، ولديهم أسلحة تعليميّة عدّة يواجهون بها المصير المجهول.

وسيُرضي التعليم الشامل رجال الصناعة والزراعة؛ لأنّهم لن يبدؤوا عملهم بعمليّة غسيل أمخاخ عمّالهم، حتّى يألفوا منظر معدّاتهم الإلكترونيّة التي قد تصبح موضة قديمة عن نشر هذا الكتاب، فسيزوّدهم هذا التعليم بمستويات فنّيّة تسدّ حاجتهم.

ويحلّ التعليم الشامل مشكلة الثقافة، وإحجام المصريّين عن القراءة الجادّة، وأزمات النشر، واختفاء المجلّات الأدبيّة والعلميّة، وتخلّفنا في عالمَي التأليف والترجمة؛ لأنّه سيعلّم الفرد كيف يعلّم نفسه أو يثقّفها بنفسه، وبأنّ المدرسة مجرّد مرحلة عابرة في حياته. وبذلك تختفي ازدواجيّة الفنّ والأدب والموسيقى التي ترتّبت على ازدواجيّة التعليم، فيختفي الفنّ السوقيّ، والأدب السوقيّ، والموسيقى السوقيّة، نتيجة لوحدة الثقافة.

وإذا رضيت كلّ هذه الأطراف، فستنعم وزارة التعليم بالراحة، فهي الآن مسؤولة عن كلّ وزر، عن كلّ شعور بالضياع وخيبة أمل، عن الجهل والفقر والمرض. مسؤولة عن أخطاء المستويات كافّة. فكلّ هؤلاء كانوا تلاميذ عندها، وكان من واجبها أن تهيّئهم لمستقبلهم المرتقب. وترتاح التربية والتعليم من مشكلة الثانويّة العامّة وعُنق الزجاجة؛ لأنّها ستعطي الفرد فرصة الانتهاء من التعليم النظاميّ، عندما يشعر أنّه أصبح قادرًا على الاكتفاء بهذا القسط من التعليم النظاميّ، وقادرًا على تعليم نفسه بنفسه؛ وبذلك يتضاءل الإقبال على الجامعة، فيستريح محبّو العلم، ويسخط المنتفعون بالتخمة الجامعيّة التي كانت تعني عندهم مزيدًا من التصحيح لأوراق الإجابة والمكافآت، ومزيدًا من الكتب الجامعيّة التي تُؤلّف في أيّام، وتُوزّع بالآلاف، وتُباع في السوق السوداء في أمسيات الامتحان!

ومن الناحية القوميّة، فإنّ مصر تعتزّ، لأنّها قد عرفت شكل التعليم الشامل حتّى وقت قريب، عرفته من الكتاتيب وأعمدة الأزهر، وكما تغيّر هو المضمون. وإذا اكتفينا بمضمون الأزهر القديم، فسنحتاج إلى تطوير كبير حتّى تتحقّق النقلة من ألفيّة ابن مالك إلى الإلكترون.

 

المراجع

محمود، أحمد حمدي. (1978). المدرسة الشاملة. دار المعارف.