التعليم التحرّريّ: كشف الكرم الزائف مقابل مفهوم الحقوق
التعليم التحرّريّ: كشف الكرم الزائف مقابل مفهوم الحقوق
2024/03/31
جميلة حسن الغول | اختصاصيّة اجتماعيّة ومشرفة ميدانيّة- فلسطين

باولو فريري، أشهر مفكّري الفلسفة الإنسانيّة في مجال التعليم، وأكثرهم تأثيرًا في القرن العشرين، ناقش في كتابه "تعليم المقهورين" مفهوم "الكرم الزائف"، بقوله: "إنّ الكرم الزائف مقترن دومًا باستمرار الظلم، فيجب التنبّه إلى أنّ مثل هذا الكرم الزائف لا يزدهر إلّا في إطار نظام اجتماعيّ غير عادل، يتّسم بالموت واليأس والفقر. فالكرم الحقيقيّ هو الذي يتجسّد في محاربة وتحطيم الأسباب التي تزدهر في بيئتها ظواهر الكرم الزائف، ذلك لأنّ مثل هذا النوع من الكرم يغلّ أيدي الخائفين والمحطّمين والمنبوذين المرتعشة. أمّا الكرم الحقيقيّ فهو الذي يجعل تلك الأيدي تمتدّ طويلًا، لا من أجل التسوّل، بل من أجل مزيد من العمل الإنسانيّ الموعود بتغيير الحياة".

وضع باولو فريري مصطلح الكرم الزائف للنظر في ماهيّة العلاقة بين الظالم والمظلوم، القاهر والمقهور. فأوضح طبيعة العلاقة بين القاهر والمقهور بوصفها علاقة تضامنيّة لإعادة تشكيل القهر، وهي غالبًا استراتيجيّة للوهم والتخدير، وإنكار القهر، وللحفاظ على هيمنة الطبقة السائدة. وفي المرحلة التي يطوّر فيها المقهور منهجًا تعليميًّا للبحث عن ذاته، ورفضه ثقافة التبعيّة والظلم، يكون حرًّا، ويخرج من فئة القهر، ويتخلّص من براثن القاهر. وهذا ما يجعلنا نعيد النظر في المنظومة التعليميّة، ومراجعة فكرها التربويّ، وتوجيه جلّ اهتمامها لتحرّر الفكر الإنسانيّ، والتخلّص من الآفات الاجتماعيّة التي تنتشر في المنظومة التعليميّة، من فساد، وفوضى، وتحقيق مصالح الطبقة الأقوى، وغياب المساواة والعدالة الاجتماعيّة، ويبدأ التغيير من خلال:

أوّلًا: تغيير مفاهيم الفكر التربويّ الطبقيّ، والنابع من أنّه ليس كرمًا من الدولة أن توفّر مكانًا للدراسة، بل هو حقّ للطالب، وتوظيف كلّ الإمكانات المتاحة لتوفير أفضل الوسائل التعليميّة له، ضمن فرص متكافئة للجميع.

ثانيًا: التخلّي عن التعليم التلقينيّ الذي ما زال قائمًا إلى وقتنا الحاضر. ومع كلّ التطوّرات وعمليّات الإصلاح في المجال التربويّ والتغيير، إلّا أنّ نظرية فريري الفلسفيّة تجاه هذا التعليم ما زالت حاضرة وبشدّة، وتصفه بالتعليم البنكيّ؛ أي إيداع المعلّم، الطرف الفاعل، ما لديه في ذهن الطالب، فيتلقّى المعلومات، ويحتفظ بها لحين الحاجة إليها وقت الاختبار. وعلى هذا الأساس، فإنّ من يُستبعد من البشر هم الذين يفتقرون إلى الإبداع، والتحوّل، والمعرفة. وينقلنا فريري إلى أنّه في المفهوم البنكيّ للتعليم، تعتبر المعرفة هبة يمنحها أولئك الذين يعتبرون أنفسهم ضليعين في المعرفة، إلى من يعتبرونهم لا يعرفون شيئًا، وهذا حرمان لعقل الإنسان من فرص الإبداع والتطوير، وفرص تغيير واقعه الهشّ، والإبقاء على تهميشه، والحدّ من قدراته، ومن صُنع إنسان متعلّم مثقف، واع لحقوقه وواجباته، قادر على صنع القرار. وعليه، فإنّ الكرم الحقيقيّ يأتي بالتضامن والحوار، والتواصل مع الطلّاب، وتوضيح كلّ القضايا التي تخصّ حياتهم، ومشاركتهم بالعمليّة التعليميّة، بحيث يكون المتعلّم جزءًا من العمليّة التعليميّة، وذلك من خلال نظام تعليم جديد، أطلق عليه فريري اسم: "تعليم من خلال حلّ المشكلات".

ثالثًا: التعليم بإنسانيّة. يحتاج التعليم إلى معلّم حرّ، متصالح مع ذاته الإنسانيّة، وواع لجميع المتغيّرات الخارجيّة، هدفه واضح، يوفّر بيئة تعليميّة آمنة للطلّاب، تتّسم بالتعاون والمشاركة، حيث يتبادلون الخبرات والمعارف معًا، ويكونون قادرين على التواصل بإيجابيّة. ودور المعلّم هنا مساند داعم، يعمل على توعية التلاميذ بأنفسهم ومقدراتهم وحقوقهم، ونقلهم من المجال السلبيّ إلى المجال الفاعل، بحيث يستطيع الطالب التعبير عن نفسه بحرّية وبشجاعة وقوّة. ذلك بدلًا من الخضوع للتعليمات، والتقليل من قيمته وأفكاره، وبثّ مشاعر وأفكار تحتقر إنسانيّته ووجوده، للسيطرة عليه من خلال كرم المعلم في نقل المعرفة والمعلومات، وهذه الفكرة نابعة من فكر الهيمنة، وهرميّة العلاقة، ودور السلطة.

رابعًا: التعليم القائم على الحوار. هو نظام قائم على الأمل والحبّ والتواضع، ضروريّ للحصول على التضامن مع الطالب، والمشاركة في تغيير الأيديولوجيّات والممارسات القمعيّة في التعليم العام.

 

ختامًا

أكّد فريري على أنّ الحوار يحارب فكرة الكرم الزائف، ويضع الطلبة في مكان المشارك للمعلّم في العمليّة التعليميّة. ولا يمكن أن يحدث التعليم الحواريّ إلّا في علاقات تتّسم بالمساواة والاحترام والثقة، وأن يكون المعلم حرًّا متفاعلًا معهم، في بيئة ومناخ تعليميّ عادل حقيقيّ، وفي اللحظة التي يتبنّى النظام مبدأ التعلّم الحواريّ يعي المقهور فكرة الكرم الزائف، ويناضل لاستعادة إنسانيّته، وحقّه بالحياة بكرامة ومساواة، وتحرير نفسه، وإرساء الأمن والأمان في مجتمعه.

 

المرجع

فريري، باولو (1980). تعليم المقهورين، (نور عوض). بيروت: دار القلم. (العمل الأصليّ نشر سنة 1968).