أثر المشاركة في مشروع تمام في بناء القدرة المؤسّساتيّة في المدرسة
أثر المشاركة في مشروع تمام في بناء القدرة المؤسّساتيّة في المدرسة
2021/07/11
خليل عجينة | مدير المدرسة اللبنانيّة العالميّة

هل يُمكن للأقوال البليغة والنصائح الدائمة والتوجيهات الإداريّة الواضحة أن تُقنع التربويّين بتغيير أفكارهم، وتطوير قدراتهم؟ وهل يمكن لفريق من التربويّين المؤمنين بالتطوير ودوره في الاستدامة والنهضة أن يُغيّرَ سياسات المؤسسة، واتّجاهاتها الفكريّة والإداريّة؟

انطلاقًا من هذين السؤالين اللذين يتمحوران حول قطبيّ المدرسة: الإدارة باعتبارها قائدة المؤسّسة بفكرها ورؤيتها التربويّة وتوجيهاتها وسياساتها وقراراتها، والتربويّ (معلّمًا كان أم مشرفًا) باعتباره المسهم الفعليّ لتحقيق تلك الرؤية، والمشارك في صنع السياسات والقرارات المتوافقة مع تصوّر إدارة المؤسّسة وتطبيقها. انطلاقًا من ذلك يجدُ كلٌّ من هذين القطبين أنّه يحتاج إلى لغة مشتركة للتواصل التربويّ يجعل المؤسّسة تتكلّم بما تفكّر، وتُفكّر بما يمكنها أن تُنفذ، وتنفّذ بما هي مؤمنة به إيمانًا منبثقًا من الحاجة، مستندًا إلى تأييد إداريّ يُقويه، ويدعمه ويوجهه، ويرعاه لضمان الاستدامة وضمان النهضة.

وهذا المقال سيسلّط الضوء على أثر مشاركة المدرسة اللبنانيّة العالميّة في مشروع "تمام" في بناء الخزين القياديّ في المدرسة، وإعداد قدرتها المؤسّساتيّة التي تضمن استدامة التطوير التربويّ فيها استنادًا إلى دور الإدارة باعتبارها القائد الراعي، والباني لبيئة ثقافيّة تنظيميّة حاضنة للتطوير المستدام.

 

التطوير شراكة بين إدارة المدرسة والتربويين فيها، و"تمام" فرصة لبناء هذه الشراكة

إنّ بناء الطاقات القياديّة في أيّة مؤسّسة تربويّة، وإرساء سياسات تضمن تطوّرها تطوّرًا ناضجًا ومن ثمّ يجعل من هذه المؤسّسة مجتمعًا تعلّميًّا نموذجيًّا مُنتجًا لا مُستهلكًا ينبغي أن يكون منطلقُهُ إيمان إدارة المدرسة بأنّ كلَّ تربويّ فيها هو شريك حقيقيّ في مشروعها النهضويّ التطويريّ. وتعريفنا للشريك الحقيقيّ هو من شاركها الفِكرَ، والرؤية، والرسالة، والعملَ في سبيل ذلك مشاركةً حقيقيّةً تنطلق من المسوّدات الأولى بحثًا، وتفكّرًا، وتخطيطًا، وتنتهي في إخراجها أنظمةً وسياسات موجّهة، وقائدة.

من هُنا وجدت إدارة المدرسة اللبنانيّة العالميّة أنّ مشروع "تمام" يُمكن أن يكون حجرَ الزاوية في توظيف طاقات كوادرها التربويّة واستثمارها وفق منهج علميّ من أجل بناء ما يمكن أن نُسميه الخزين القياديّ الذي يضمن تحقيق الاستدامة والنهضة التطويريّة في المدرسة؛ وذلك بعد أن وجدت أنّ "تمام" حركة تطويريّة علميّة عمليّة تنطلق من حاجة المدرسة نفسها، فَيُبصّرها طريق التطوير ووسائله بالمنهج العلميّ، والركائز التي تبني الفكرَ التطويريّ، والشخصيّة المهنيّة، والخبرة العمليّة الصالحة لأن تُسهم في إثراء الأدبيّات والتجارب التربويّة.

 

إدارة المدرسة والفكر التطويريّ

 فكانت نقطة البداية بتكوين نواة فريق تربويّ من المنسّقين المشرفين على المواد التعليميّة للانطلاق في رحلة تمام التطويريّة سعيًا لبناء دليل متكامل للإشراف التربويّ والتنسيق في المدرسة. نقطة الانطلاق هذه كانت تتطلّب من إدارة المدرسة عدّة إجراءات وقرارات وسياسات وجد مدير المدرسة أنّه لا يمكن أن تُحقّق الرحلة التي دفع إليها فريقه نجاحَها وأهدافَها من دونها وهي:

1- أن يوجدَ في المدرسة المناخ العامّ الذي يَبرزُ فيه مشروع "تمام" الذي تبنّته المدرسة كونه مشروعًا استراتيجيًّا في المدرسة من خلال:

- تسليط الضوء عليه في التخطيط والاجتماعات واللقاءات العامّة والخاصّة.

- استضافة الفريق الموجّه للمشروع في المدرسة والاهتمام التامّ بحضوره واستضافته.

- حضور اللقاءات والمؤتمرات وورش العمل التي يُقيمها الفريق الموجّه في لبنان وخارج لبنان، وإظهار أهميّة المشاركة الفاعلة فيها، وبيان ذلك في التقارير التي تُرفع إلى المجلس الإداريّ المشرف على المدرسة.

- الثناء على الفريق التربويّ المشارك في المدرسة، وتثمين الجهود التي يبذلها في اللقاءات العامّة والخاصّة.

2- أن يمنح الفريقَ الحريّة التي تضمن له دراسة الواقع، وتقييمه، والتفكّر بما يُناسبه من إصلاحات، وتطلّعات، والاجتماع بالفريق الموجّه من الجامعة وطرح أفكاره، وهواجسه وتطلّعاته من غير أن يكون لإدارة سلطة رقابيّة حثيثة، بل كان المدير حريصًا على أن يكون فريقه مزوّدًا بفهم عميق لرؤية المدرسة ورسالتها، كي يكون عمله موجّهًا توجيهًا فكريًّا عامًّا.

3- أن يكون مرنًا فيما يُسند إلى هذا الفريق من أعباء التدريس والإشراف التربويّ بما يفرضه النظام والقوانين ونصاب الحصص وغير ذلك، ممّا قد يؤثّر على إنتاجيّة الفريق في رحلته التطويريّة هذه.

4- أن يجعل للفريق كيانًا ذا دور وحضور لافت في المدرسة يضمن أن يُنظر إليه نظرة اعتبار وتقدير، ويُتعاون معه بموضوعيّة وجديّة، ويحتذى به في الإنتاج والتطوّر.

5- أن يُفرّغ أستاذة مُشرفة على الفريق، ومسؤولة عنه تكون صلة الوصل بين المدرسة والجامعة.

6- أن يُخصّص موازنة سنويّة لما يتطلّبه المشروع من أعباء ماليّة للسفر، والقرطاسيّة، وأيّ مستجدّ يخدم المشروع.

7- أن يُشارك مشاركات فاعلة لا حضوريّة في المؤتمرات واللقاءات والندوات من أجل بثّ روح الحماس والإلهام والإبداع في الفريق والمدرسة.

 

التطوير حقيقة لا حُلم

عامًا بعد عامّ استوى المشروع التطويريّ في المدرسة على سوقه، وظهرت نجاحاته في تحقيق أهدافه السنويّة من جهة، وفي بروز الكوادر القياديّة من جهة أخرى، وذلك من خلال المؤشرات الآتية:

1- أنتج الفريقُ دليلًا مفصّلًا في الإشراف التربويّ وعمليّة التنسيق أصبح نظامًا معتمدًا في المدرسة.

2- وضع الفريق معايير علميّة لسمات الطالب في المدرسة، وأسس تقييمها.

3- أصبح أعضاء الفريق أعضاءً في المجلس التربويّ في المدرسة يُشاركون في منظومة القيادة والإدارة.

4- اكتسب الفريق مهارات مهنيّة، غيّرت من نمط شخصيّتهم، وعملهم نحو الموضوعيّة والنهج العلميّ.

5- استطاع الفريق أن ينقل تجربته إلى المجتمع التربويّ الداخليّ، والخارجيّ من خلال المشاركة الفاعلة في المؤتمرات والملتقيات التي أقامها الفريق الموجّه في لبنان وخارجه.

 

من المشروع إلى الفكر التطويريّ

إنّ النجاحات التي حقّقها المشروع التطويريّ في المدرسة على المستوى البشريّ والمستوى الإنتاجيّ، دفع إدارة المدرسة أن تتجه اتّجاهًا "تماميًّا" في إرسال الفكر التطويريّ في المدرسة الذي يضمن أن تكون حركة التطوير في المدرسة في أيّ مجال من المجالات الإداريّة والتربويّة والأكاديميّة قائمة على المنهج التماميّ والركائز التماميّة، هذا الأمر دفع مدير المدرسة أن يتّخذ قرارات وسياسات جديدة في شأن الملف التطويريّ في المدرسة، يتلخّص فيما يلي:

إنشاء قسم يُعنى بالشؤون التطويريّة تخطيطًا وإشرافًا وتنفيذًا وفق الفكر التماميّ يُطلق عليه "قسم الشؤون الأكاديميّة والتطويريّة" بحيث يكون هناك مشروعات تطويريّة سنويّة تنطلق من حاجات المدرسة وأقسامها، كلّ مشروع يكون مسؤولًا من فريق من المعلّمين والتربويّن يُشرف عليه أحد المتدرّبين السابقين في المشروع الأوّل حتّى ينقلوا خبراتهم التماميّة إلى الأعضاء الجدد، بهدف أن يمتدّ الفكر التماميّ إلى المجتمع المدرسيّ كلّه.

إنّ بناء القدرات القياديّة وضمان الاستدامة التربويّة في المدرسة لا يحتاج إلى تنظير ولا إلى توجيه إداريّ منبريّ، بل يحتاج إلى أن تكون إدارة المدرسة تحمل فكرًا يُنشد التطوير، ويؤمن بأنّ أي تربويّ في المدرسة يمكن أن يكتسب الصفات والمهارات القياديّة إن استطاعت إدارة المدرسة أن تجعل المدرسة مجتمعًا تعلّميًّا يتحرّك في فلك التطوير بحريّة موجّهة، ورعاية محفّزة، وشراكة مُنتجة، وهذا كلّه ينبغي أن يكون مبنيًّا على منهج علميّ، وركائز مهنيّة استطاع "تمام" أن يُسهم في الإمداد، والإعداد.