آليّات التعامل مع الأطفال الذين تأثّروا بصدمة الحرب
آليّات التعامل مع الأطفال الذين تأثّروا بصدمة الحرب
جمانة خروفة حزبون | مستشارة وباحثة تربويّة متخصّصة في الطفولة المبكرة- فلسطين

يتطلّب التعامل مع الأطفال الذين تعرّضوا إلى خبرات مؤلمة أثناء الحرب، تفهّمًا عميقًا لاحتياجاتهم الفرديّة وخلفيّاتهم الاجتماعيّة والثقافيّة، وعمق الأثر النفسيّ للظروف التي مرّوا فيها؛ فيجب العمل على توفير الدعم والرعاية المناسبة، لمساعدتهم على التعافي ومتابعة النموّ السليم من مختلف الجوانب النمائيّة لشخصيّاتهم. 

 

من هنا، يتوجّب على مقدّمي رعاية هؤلاء الأطفال، من أب وأمّ ومربّية وأقارب وغيرهم، منحهم اهتمامًا خاصًّا، ومحاولة تطوير مهارتهم، من أجل مساندتهم لتخطّي الأزمات النفسيّة التي يعانونها خلال فترة الحرب، أو ما بعدها. وبالتأكيد، هذا الأمر ليس سهلًا، لأنّ مقدّمي الرعاية أنفسهم قد يعانون آثارًا نفسيّة وصعوبات انفعاليّة واجتماعيّة تحدّ من قدرتهم على مساندة الأطفال من حولهم. ولكن، وعلى الرغم من تفهّم صعوبة الموضوع، أحاول في هذا المقال تقديم العون، بطرح أفكار واقتراحات تساند مقدّمي الرعاية خلال تفاعلهم مع الأطفال في هذه الظروف الصعبة جدًّا، ليوظّفوا منها بقدر استطاعتهم وإمكاناتهم النفسيّة والاجتماعيّة والماديّة المتوفّرة في البيئة المحيطة.  

 

آليّات تربويّة ونفسيّة داعمة للطفل

في ما يلي مجموعة من الآليّات المطروحة ضمن اقتراحات تربويّة ونفسيّة، للتعامل مع هؤلاء الأطفال ودعمهم، للخروج من آثار صدمة الحرب التي يمرّون فيها، أثناءها أو بعدها:   

 

إتاحة فرص مرنة للتواصل والإصغاء

يعاني الأطفال، ضمن هذه الظروف الصعبة، الشعورَ بالخوف أو القلق الذي قد يبلغ أحيانًا حالة الهلع؛ فيكونون بحاجة ماسّة إلى الإصغاء إلى مخاوفهم وأفكارهم بعناية، والتحدّث معهم بلطف، وإتاحة الفرص أمامهم للتعبير والتفريغ النفسيّ قدر المستطاع، ليشعروا بأنّ هناك من يصغي إليهم ويُعنى بأمرهم، ممّا يسهم في زيادة شعورهم بالاطمئنان.  

توفير الشعور بالأمان

يجب إشعار الأطفال بالأمان، وذلك يتطلّب تقديم بيئة آمنة بدنيًّا وعاطفيًّا لهم. الأمر الذي تتيحه الإمكانات المادّيّة والاجتماعيّة المحيطة بهم. فيجب تقديم العناية اللطيفة والدعم العاطفيّ لهم، حتّى تطمئنّ قلوبهم، ولو بقدر بسيط، بحسب الظروف المحيطة وحدّتها. 

تقديم الدعم النفسيّ

بإمكاننا مساعدة الأطفال على مواجهة التحدّيات النفسيّة بالتحدّث مع اختصاصيّي الصحّة النفسيّة أو المرشدين التربويّين والسلوكيّين في المدارس أو المؤسّسات التي تُعنى بالطفل، في حال توفّرها، ما يوجد مساحات آمنة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم. 

توفير فرص للتعلّم النشط

يجب تقديم فرص للأطفال للتعلّم وتطوير مهاراتهم بقدر ما تتيحه الإمكانات المتوفّرة، لضمان حصولهم على التعلّم الأساسيّ، سواء في المدرسة أم البيت أم المؤسّسات الآمنة. وهنا، يكون التركيز على التعلّم النشط والتعلّم بالخبرات المحسوسة وبالمشاريع. يُمنَح الطفل دور الباحث والمتقصّي عن المعرفة، ما يسهم في تغيير أفكاره وحالته النفسيّة، وتركيز جهوده نحو مهمّات ينخرط فيها بدافع ذاتيّ، ويُحقِّق بها متعة التعلّم. 

إتاحة فرص اللّعب والتفاعل الاجتماعيّ

يساعد توظيف اللّعب، بمختلف أشكاله، وبما يتناسب مع أعمار الأطفال وميولهم والفروقات الفرديّة بينهم، الأطفالَ على التعبير عن أنفسهم وتقديم فرص للتفاعل مع أقرانهم، أو مع الكبار من حولهم. وبالتالي، يخفّف من حدّة التوتّر والقلق لديهم.

تقديم الرعاية الصحيّة

يجب توفير الرعاية الصحّيّة اللازمة للأطفال بحسب حاجاتهم. يشمل ذلك إجراء الفحوصات الطبّيّة الدوريّة، وتوفير العلاج النفسيّ، إن كان ضروريًّا، ولا سيّما بعد انتهاء فترة الحرب. 

خلق فرص التعاون بين أفراد الأسرة

يجب تشجيع التعاون بين الأفراد كبارًا وصغارًا، حيث يُسهم ذلك في خلق فرص الدعم والرعاية، ويخفِّف الشعور بالضغوط النفسيّة، وإتاحة الفرصة لخلق طاقة إيجابيّة لدى جميع الأفراد.

تعزيز مفهوم الهويّة والانتماء الوطنيّ

تبرز هنا الحاجة الملحّة إلى تعزيز مفهوم الهويّة، ومفهوم الوطن والانتماء إليه عند الطفل، وتوضيح الأسباب العامّة التي أدّت إلى حصول الحرب توضيحًا مبسَّطًا ومتناسبًا مع عمر الطفل وتساؤلاته. ومن المفيد إتاحة الفرص أمام الأطفال للنقاش وطرح الأسئلة التي تجول بفكرهم، ومحاولة الإجابة عنها ضمن الحوار، والتعبير عن قيمهم وتقاليدهم الثقافيّة والاجتماعيّة، فضلًا عن عقد النقاش حول أثرها في حياة الأفراد في المجتمع الواحد. 

حماية الطفل من العنف

يجب أن يُحمَى الأطفال من العنف والاستغلال اللذين قد يتعرّضون إليهما خلال فترة الحرب أو بعدها، نتيجة الظروف المحيطة التي يعيشونها. كما ينبغي توفير آليّات للإبلاغ عن أيّ انتهاكات يتعرّضون لها تعرّضًا مقصودًا أو غير مقصود، حتّى لا يتسبّب ذلك بمزيد من الآثار النفسيّة السلبيّة فيهم.

التعاون مع المؤسّسات الإنسانيّة

يجب البحث عن دعم المنظّمات والجهات الحكوميّة وغير الحكوميّة التي تعمل في مجال الرعاية الاجتماعيّة والتعليم، لدعم الأطفال النازحين أو المتأثّرين بالحروب. 

 

مقترحات أنشطة داعمة للطفل

نقدِّم هنا بعض الاقتراحات لأنشطة داعمة للطفل، تُسهِم في عمليّة التفريغ النفسيّ، وتجعله يتجاوز الآثار السلبيّة للحرب، سواء أكان ذلك في البيت أم المدرسة، أم أيّ مؤسّسة تعنى بتربية الطفل وتعلّمه خلال فترة الحرب أو بعدها: 

أنشطة الفنون والحرف اليدويّة

تتضمّن هذه الفنون العديد من الأنشطة، مثل الرسم والتلوين، والأشغال الفنّيّة اليدويّة مثل الخرز والورق والنحت والصلصال... وهناك العديد من الأفكار لأنشطة فنيّة متوفّرة كثيرًا في الصفحات التربويّة والفنيّة الإلكترونيّة.  

أنشطة القراءة

تشمل القراءة العديد من الأنشطة، مثل قراءة القصص المصوّرة والكتب والموسوعات المناسبة لعمر الطفل، والتي يسهم محتواها في عمليّة التفريغ النفسيّ الانفعاليّ لدى الطفل، ويمنحه الأمل والشعور بالراحة النفسيّة. كما يمكن بناء العديد من الأنشطة المكمّلة لنشاط القراءة، مثل التمثيل الدرامي والرسم والتلوين والتعبير الشفويّ والحوار والمناقشة، وكذلك مساندة الأطفال في كتابة قصصهم الخاصّة المعبِّرَة عن مشاعرهم وأفكارهم. 

الأنشطة الموسيقيّة

تتضمّن الأنشطة الموسيقيّة فئة واسعة، من أبرزها الاستماع إلى الموسيقى والتعبير الحركيّ، وقد يشمل ذلك استخدام الآلات الموسيقيّة البسيطة، مثل الدفّ والجرس والمثلّث المعدنيّ. كما تتضمّن الغناء والإنشاد مع الأغنيات المسجّلة، أو تأليفها، حيث يسجّل الأطفال أغنيات من ابتكارهم، ويحاولون تلحينها وإعادة الإصغاء إليها.

الأنشطة الحركيّة

يمكن تنفيذ هذه الأنشطة في بيئة داخليّة أو خارجيّة، والتي يمكن من خلالها توظيف الأدوات المتنوّعة، في حال توفّرها، مثل الكرات بمختلف أشكالها، والأطواق البلاستيكيّة، وأحبال القفز، والألعاب الخارجيّة، والدرجات الهوائيّة... والجدير بالذكر هنا، أنّه بالإمكان دمج الأنشطة الحركيّة والموسيقيّة معًا، ممّا يسهم في خلق جوّ من المتعة والطاقة الإيجابيّة للأطفال، وفرص للإبداع والابتكار والاسترخاء. 

أنشطة التفاعل الاجتماعيّ

يحتاج الطفل ضمن هذه الظروف، حاجة ماسّة إلى التفاعل الاجتماعيّ بمختلف أشكاله، كمحاولة لإعادة اندماجه الاجتماعيّ واستعادة ثقته بنفسه والآخرين من حوله، وتحقيق الشعور بالأمان الذاتيّ. وقد يأخذ هذا التفاعل أشكالًا متعدّدة، منها اللعب أو الزيارات الميدانيّة في البيئة المحيطة، ولا سيّما بعد انتهاء فترة الحرب، حيث تصبح فرص التجوّل بحريّة وأمان متاحة.

أنشطة الزراعة والعناية بالحيوانات

تعدّ عمليّة زراعة النباتات ورعايتها، فضلًا عن رعاية الحيوانات، من الأنشطة الممتعة جدًّا للطفل، والتي تُحقِّق له أهدافًا نفسيّة انفعاليّة عديدة، مثل الشعور بالمسؤوليّة، والتفريغ النفسيّ، وممارسة الرعاية والاهتمام، وخلق الشعور بالأمل وحبّ الحياة... بالإضافة إلى أهداف اجتماعيّة، مثل التعاون مع الآخرين، وتنظيم العمل والمهمّات، والالتزام بالوقت والمعايير وأنظمة العمل... كما تحقّق أهدافًا معرفيّة ولغويّة وذهنيّة، مثل التخطيط للمهمّات، وتوثيق الملاحظات، وحلّ المشكلات التي قد تواجهه، والبحث والتقصّي عن البيانات... وتخلق فرص تعلّم غنيّة جدًّا، إذا أُعدّت إعدادًا مناسبًا لعمر الأطفال وحاجاتهم وإمكاناتهم والفروق الفرديّة في ما بينهم.

أنشطة التأمّل الذاتيّ

من المفيد جدًّا مساندة الطفل وإتاحة الفرص أمامه لتطوير مهارات التأمّل الذاتيّ وتقييم خبراته اليوميّة، والخروج باستنتاجات لتطوير ذاته وفق إمكاناته وطاقاته الخاصّة، لتحقيق أهدافه الشخصيّة. يتحقّق هذا النوع من الأنشطة على مستويات تبدأ بصور بسيطة، وتزداد تعقيدًا كلّما تقدّم الطفل بالعمر وتطوّرت خبراته ومهاراته في هذا المجال، فتبدأ بالتأمّل البسيط في المواقف والسلوكيّات وأثرها في الآخرين، وتقييم المواقف الاجتماعيّة ومناقشتها، وغيرها من الخبرات التي تسهم في تطوير هذه المهارة عند الطفل.

أنشطة تطوير مهارات الاسترخاء

كلّ فرد بحاجة ماسّة إلى تطوير مهاراته وآليّاته لتحقيق الاسترخاء الذاتيّ والتفريغ النفسيّ، وهذه مهارات لا تأتي فجأة، بل تحتاج إلى التدريب عليها منذ الصغر، فتبرز حاجة الطفل إليها كثيرًا خلال فترة الحرب، أو بعد أثر المرور في خبراتها المؤلمة. لذلك، يحتاج مقدّمو رعاية الأطفال في هذه الفترة النفسيّة الحرجة، إلى تنفيذ هذا النوع من الأنشطة مع الأطفال، مثل تمارين التنفّس والاسترخاء، وتمارين الاستماع إلى مقاطع صوتيّة هادئة، وتوثيق الأفكار التي رافقت الطفل خلالها، وتمارين طرح مثير مرتبط بموضوع ما، فضلًا عن إطلاق العنان للطفل للتفريغ النفسيّ بالتعبير عن أفكاره ومشاعره...

* * *

حاولتُ في هذا المقال طرح مجموعة من الأفكار والاقتراحات الموجزة للتعامل مع الأطفال خلال فترة الحرب أو بعدها، آخذة بعين الاعتبار اعتماد إمكانيّة تطبيقها مع الأطفال على امتداد عمرهم الزمنيّ، وعلى طبيعة الظروف النفسيّة والاجتماعيّة المحيطة بالطفل، والخصائص الاجتماعيّة والنفسيّة لمقدّمي الرعاية للأطفال (الأسرة، والمدرسة، والمؤسّسة، والأقارب...)، فضلًا عن الإمكانات المادّيّة المتوفّرة في البيئة، سواء الاجتماعيّة أم المادّيّة أم السياسيّة أم الاقتصاديّة. وكذلك مدى قُرب الأطفال ومقدّمي الرعاية أو بعدهم من مناطق الحرب المباشرة، والفروقات الفرديّة بين الأطفال، ولا سيّما الأطفال ذوو الحاجات الخاصّة الذين قد يحتاجون إلى آليّات خاصّة بكلّ فئة منهم. بالإضافة إلى الاقتراحات المطروحة في هذا المقال، بحسب حاجات وإمكانات كلّ فئة، حيث تستدعي الحاجة في معظم الأحيان، إلى تدخّل اختصاصيّين في التربية الخاصّة والإرشاد النفسيّ، وأحيانًا أطباء نفسيّين، آملين الخروج من فترة الحروب بأقلّ قدر ممكن من الخسائر عند الأطفال، والحدّ من أثرها في نموّ الطفل وتطوّره من مختلف جوانبه النمائيّة.