التعليم عن بعد بين الحراك والجائحة ومنظومة الفساد
التعليم عن بعد بين الحراك والجائحة ومنظومة الفساد
ميسون سليمان | أستاذة الكيمياء للمرحلة الثانوية - لبنان

يختلف هذا الزمن عن ما سبق بهيمنة شبكات التواصل الاجتماعي على حياتنا، إذ فرضت نفسها في كل مفصل من يومياتنا، في حركتنا الاجتماعية والثقافية والصحية، وأيضًا التربوية. وكي لا نبقى خارج الراهن، كان لا بد لنا أن نفكر في كيفية الانخراط ضمن هذه المنظومة، ولو على مستوى ضعيف يتناسب مع ما نقدمه لطلابنا وبقدر الإمكانات المتاحة لاستخدامها.

 

بدأت في تجربة التعليم عن بعد، وبشكل بدائي، منذ أكثر من سنتين لطلاب الصفوف الثانوية، أي ابتداء من العام الدراسي 2016-2017، وكانوا حينها يتفاعلون بشكل إيجابي، لإحساسهم أن هذه المادة الرقميّة تقدم فرصة جديدة لهم. لقد وجد الطلاب أنفسهم يومها أمام نظام جديد، يعتمد شبكة الانترنت التي كانت مادة لإضاعة الوقت على تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وانستغرام وواتس اب وسناب شات وتك توك وغيرها.

خلال هذه السنوات، بدأنا بالملاحظات على إجاباتهم على أسئلة امتحان الفصل الأخير، واعتمدنا على تطبيق واتس آب خصوصًا بعد التحديث الذي سمح لمستخدميه بالتصوير وإرسال الصور إلى المتحادثين في ما بينهم. وكانت فرصة جذابة وفعّالة حين كان الطلاب ينتظرون أن يعرفوا درجاتهم وأخطائهم، وما هي الملاحظات حول إجاباتهم.

وفي العام الدراسي 2018-2019، دعوت طلاب الصف الثالث الثانوي لصف عبر تطبيق ZOOM، وكان الصف عبارة عن مناقشة تمارين تحضيرًا لمسابقة خلال يومين، أو تذكيرًا ببعض المفاهيم خلال العطل الطويلة. ولا شك أن التجربة كانت فعالة ومميزة لحداثتها ونظرًا لكون مضمونها مكتسبًا مسبقًا، وبالرغم من انقطاع التيار الكهربائيّ عند العديد من الطلاب، وبالرغم من اعتماد الطلاب على باقات الانترنت التي يدفعونها من مصروفهم الخاص، إلا أن نسبة المشاركة حينها كانت تفوق 80%، والغائبون كانوا يبرّرون غيابهم.

 

اختلف الوضع هذه السنة خلال جائحة كوفيد 19، خصوصًا بعد الانتفاضة الشعبيّة التي شهدها لبنان انطلاقا من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019 في وجه منظومة الفساد. انقلب الوضع في لبنان خلال هذا العام الدراسي، وأقفلت المدارس أبوابها أكثر من مرة، وتغيّب كثيرون نتيجة إقفال الطرقات بين المناطق وأحيانًا في قلب المدينة الواحدة كما كانت الحال في بيروت وطرابلس. وفي تلك الأثناء، بدأت الليرة اللبنانية بالانهيار وخسر الناس أموالهم وأعمالهم وبدأت أزمات كبيرة تلوح في الأفق، نذكر منها أزمة الكهرباء والانترنت والبنزين. وفقد السوق اللبناني أنواعًا كثيرة من المواد الاستهلاكية، ما انعكس بشكل سلبي على كل اللبنانيين. وعاش الطلاب حينها حالة من عدم الاستقرار على مختلف الأصعدة. وجاءت جائحة كوفيد 19 لتزيد الطين بلة، فقد انقطع الطلاب عن مدارسهم بشكل مفاجئ وسريع نتيجة سياسة الحجر الصحي التي اعتمدتها وزارة الصحة للحيلولة دون انتشار الفيروس، وكان ذلك في نهاية شهر شباط/فبراير 2020، واضطر الأساتذة والمعلمون والقيّمون على الإدارة التربوية في لبنان لاعتماد التعليم عن بعد في قرار سريع ومفاجئ وغير مسبوق في المدارس والثانويات الرسمية وعدد كبير من المدارس الخاصة أيضًا.

 

أتى قرار اعتماد التعليم عن بعد دون خطة وتنسيق مسبقين، ودون أدنى تحضير، فالمناهج اللبنانية المعتمدة اليوم تم تحديثها آخر مرة قبل أكثر من عشرين عاما، حيث لم تكن شبكة الانترنت متاحة إلا لقلة قليلة من اللبنانيين. وبالرغم من التطور التكنولوجي السريع الذي لحق بكل قطاعات العمل على الإطلاق، إلا أن دورة إعداد واحدة للأساتذة لم يتفضل بها المركز التربوي للبحوث والإنماء، ولم يجرِ أيضًا أي تحديث للمناهج التربوية (يفترض أن يتم تحديث المناهج مرة كل أربع سنوات)، رغم كثافة التمويلات التي كان يحصل عليها للقيام بمشاريع هادفة، وكلها ذهبت هباء.

وكان لسوء الإدارة التربوية وللفساد داخل أروقة وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان والكيدية السياسية التي "يمتاز" بها المسؤولون في كل مفاصل الدولة، الأثر البالغ على أداء المعلمين والأساتذة والطلاب، فقد وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد من التعليم، وهم غير مهيئين له في ظل المصائب التي حلت بلبنان، وهنا وقعت الكارثة: لا كهرباء، لا انترنت رغم سعي وزير التربية لتأمينه عبر وزارة الاتصالات إلا أن طلبه باء بالفشل حين رفض وزير الاتصالات تزويد الطلاب بباقات اتصال منخفضة التكلفة بحجة أن شبكة الانترنت توفر مالًا كثيرًا لخزينة الدولة!! ولا ننسى أن معظم طلابنا يحوزون هواتف جوالة ببرامج قديمة لا تستطيع تحمل التطبيقات الخاصة وتحديثاتها، وأحيانًا لا نجد في العائلة الواحدة، بمعدل ثلاثة أبناء، أكثر من جهاز واحد وعلى الجميع استخدامه للتعلم. ناهيك عن ظروف الأساتذة والمعلمين في لبنان غير القادرين على حيازة أجهزة حديثة تواكب بنجاح كل هذه العملية الطارئة.

 

إذًا، لم تكن ظروف التعليم سهلة خلال فترة الحجر الصحي. فقد اضطررنا في بعض المرات إلى التعليم ليلًا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وكانت نسبة حضور الطلاب لا تتخطى أحيانًا  50%، مع نسبة تفاعل تصل إلى 25% فقط. اكتشفنا ذلك عندما كنا نوجّه سؤالًا لطالب، فيتضح أن الطالب سجّل الحضور لكنه أطفأ الكاميرا وذهب ليفعل شيئًا آخر. ثم إن الفروض التي كنا نوكلها إليهم كانت تأتي منقولة بشكل كامل، وهذا يعني أن العمل كان يصب على كاهل تلميذ واحد، والآخرون لا يكترثون لمسؤولياتهم ما يجعل عملية التقييم صعبة للغاية وغير عادلة على الإطلاق.

إن الأسباب الكامنة وراء ما جرى كثيرة، أبرزها انعدام المسؤولية عند الطلبة، فمناهجنا لا تُعِد جيلًا مسؤولًا يعرف حقوقه وواجباته، لا تعد جيلًا يحمل صفات القيادة، كل ما يتعلمه طلابنا هو أن يذاكروا لينتقلوا من صف إلى آخر، هذه هي لعبة الوقت، طلابنا يدرسون ثم يتخرجون لينتقلوا بعدها إلى سوق العمل، كحال معظم طلابنا في الوطن العربي. نحن بحاجة في هذا الصدد إلى إعادة هيكلة شاملة للمناهج التربوية.

 

لنعد إلى الأمور التقنية في التعليم عن بعد، لقد كان إيصال الأفكار عن بعد مختلفًا، وواجهنا صعوبة فيه، رغم أنني شخصيًّا لم أعمد إلى شرح مادّة جديدة، واكتفيت بالتمارين. لماذا؟ داخل غرفة الصف، وعند الدخول في أهداف جديدة، تبقى أعيننا كأساتذة معلقة بعيون طلابنا. هنا، تكفيني نظرة تساؤل واحدة من تلميذ كي أعيد النظر بما تم شرحه، وأن أقدمه لهم بطريقة أخرى. هنا تكمن أهمية التواصل البصري بين الطالب ومعلمه ما يخلق أرضية خصبة للتفاعل والحوار البناء. إن معظم الأهداف لا تصل إلى التلميذ بشكل مباشر، وإن لتتابع الأسئلة التي يطرحها الطلاب هنا أهمية كبيرة في ذلك. هل يمكن أن يحدث كل هذا عبر شاشة لا تحوي إلا أربعة مشاركين كحد أقصى، ومعظمهم بكاميرا مغلقة! كيف للمعلم أن يضبط عملية تربوية بالتعليم المباشر، عن بعد!

عندما حاولت شرح مادة جديدة للصف الثاني الثانوي مثلًا، تعد مراجعة لقسم من محور تعرفوا عليه في الصف التاسع دون أية إضافات، نسبة الحضور في هذه الحصة وصلت إلى 75% ولكن نسبة المشاركة والتفاعل لم تتعدَّ 20%، واستمر الدرس مدة ساعتين في الصف الرقمي، وهو الذي يكلفني سردًا داخل حجرة الصف مدة لا تتجاوز النصف ساعة. لا ننسى الدور الأساسي للوح، وسيلة الإيضاح الأبرز في عملية التعليم على كافة الأصعدة. انطلاقًا من هذه الإعاقة، عمدت مرة أخرى في الصف الثانوي الثالث إلى حل تمرين يُعَد مراجعة سريعة لدرس معين، نسبة الحضور والمشاركة لم تتعدَّ 50%، مع مدة زمنية تجاوزت الساعة والنصف في الصف الرقمي، بينما داخل حجرة الصف لا يحتاج هذا التمرين لأكثر من 20 دقيقة كحد أقصى.

ألا يعد هذا هدرًا للوقت؟ وهدرًا للأعصاب؟ وهدرًا للجهد؟ ودون نتيجة؟

تقديري أن المادة التي يمكن أن تقدَّم كمحاضرة يمكن اعتماد الصف الرقمي بالطرق المتاحة لشرحها، إلا أن المادة العلمية التي تحتاج للإعادة أكثر من مرة وبأكثر من طريقة، لن تنجح في هذه الظروف. وهنا أسأل:

ألم يكن الأجدى بالمسؤولين التربويين المبادرة إلى خلق حسّ بالمنافسة لدى الطلاب بتحفيزهم على مطالعة عدد من الكتب ذات الأهداف الواضحة من علوم وآداب وبيئة وتنمية بشرية، مع إعداد تقارير عن كل كتاب يقدم في نهاية الجائحة؟ وفي هذه الفترة يتم إعداد المناهج بشكل يناسب المرحلة المستجدة في التعليم، وتجري دورات للمعلمين يتدربون خلالها على اعتماد الوسائل الرقمية في عملية التعليم عن بعد؟

                        
وبالرغم من كل تلك التحديات، فإن نسبة لا بأس بها من الأساتذة والطلاب لم يتوانوا عن القيام ببعض المبادرات التي بقيت فردية، أو أتت بالتنسيق بين أساتذة وطلاب صف واحد. فقد اشترى الأساتذة مشكورين عدة صف كاملة وقاموا بتصوير وتسجيل ساعات طويلة من شرح الدروس من بيوتهم، ليتمكن الطلاب من متابعتها حيثما يشاؤون. أما الطلاب، فقد قاموا أيضًا بتصوير بعض المشاريع التي تقدم أجزاء من دروس معينة موعودين بذلك ببعض العلامات المضافة إلى درجاتهم. كل ذلك انتهى إلى ترفيع آلي للطلاب في نهاية العام الدراسي، بقرار من وزير التربية، فذهب كل مجهود شخصيّ هباء منثورًا. وقد عمدت بعض المدارس الخاصة إلى تأسيس نوادٍ للقراءة، وظهرت مبادرة "تحدّي الكتاب" التي لاقت رواجًا كبيرًا واستمر التفاعل ضمنها لأكثر من شهرين. وأذكر هنا أيضًا مبادرة من الأستاذة إيمان حنينة التي أسست قناة لتعليم القراءة على موقع يوتيوب بعنوان "مرحى لغتنا" وهي موجهة لطلاب الحلقتين الأولى والثانية. هذه المبادرة بقيت يتيمة على مستوى التعليم الرسمي. ولا ننسى منصة التعلم الرقميّ Digital Learning Initiative التي أطلقها المركز التربوي للبحوث والإنماء، إلا أننا كأساتذة ومعلمين، في صلب العملية التربوية، لم نعلم بإنشائها بالطرق الرسمية، وذلك  بسبب البيروقراطية والجمود الإداري.

 

في الخلاصة، من الطبيعي أن يكون لتطوّر المجتمعات ضمن هذه الثورة المعلوماتية نتيجة حتمية طبيعية، وهي الانخراط في التكنولوجيا التي فرضت سلطتها خلال هذه الأزمة، وخلقت فجوة عميقة بين ما قبل الأزمة وما بعدها، وفتحت مجالًا لأسئلة مثل: كيف يمكن ردم هذه الفجوة التي حدثت؟ ما هو دور الأستاذ في العالم الرقمي؟ إلى أي مدى سيحلّ الذكاء الاصطناعي محل المعلّم؟