من هو أشطر طالب في الصف؟
من هو أشطر طالب في الصف؟
2023/08/06
محمّد تيسير الزعبي | خبير مناهج اللغة العربيّة وأساليب تدريسها، ومصمم برامج تدريبيّة - الأردن

حوار جاسر وبقيّة أفراد صفّه في حصّة الإشغال مع المرشد، كان أساسيًّا في التغيير الذي حدث في المدرسة. حصّة إشغال لفتت النظر إلى ممارسات يقدّمها المعلّمون من دون قصد، وأحيانًا بنيّة طيّبة وقصد نبيل من غير أن يشعروا أنّها تترك في نفوس الطلبة أثرًا عميقًا.

تلك الجرأة التي تحلّى بها جاسر ليخبر المرشد أنّهم يعرفون أنّ المعلّم لن يغيّر قناعته بهم، لأنّه لا يرى سوى "طالب واحد شاطر" في الصفّ، كانت محرّكًا أساسيًّا ليتبنّى المرشد دعوة تدفع المعلّمين إلى تغيير طريقتهم في تقديم التغذية الراجعة، والثناء على أعمال الطلبة ودعم أدائهم. فقد اكتشف المرشد التربويّ أنّ الطلبة يراقبون المعلّمين وهم يقدّمون التعزيز أو التغذية الراجعة للطلبة، وأخبر زملاءه المعلّمين أنّ الطلبة يشعرون كذلك بمحاباة ينالها بعض الطلبة عندما يخفقون في تنفيذ المهمّات، بينما غيرهم ينالون تقريعًا ولومًا يصل حدّ السخرية من أدائهم، لا بل إنّ الطلبة يعتقدون أنّ بعض المعلّمين لم يغيّروا أحكامهم السابقة حول أداء الطلبة؛ فالطالب المتميّز عندهم يبقى متميّزًا على الدوام، والطالب "الكسول" يبقى كذلك على الدوام أيضًا.

 

يحتلّ تعزيز الطلبة جزءًا واسعًا من اليوم المدرسيّ والحصّة الصفّيّة، وهو لا يقف عند الجوانب الأكاديميّة التعليميّة. من هنا أثق أنّ التعزيز مرتبط باعتقاد راسخ في نفوس المعلّمين، بأنّ أداء الطلبة يجب أن يرافقه تعزيز مستمرّ، وأنّ غياب التعزيز يكاد يكون السبب الأول في تراجع أداء الطلبة، وانخفاض إنتاجيّتهم.

وأعرض في الآتي بضع خطوات تساعد في تعزيز الطلبة:

1. إثارة دافعيّة الطلبة إلى التعلّم، واستثارة اهتمامهم يفرضان أن يتمركز التعزيز حول شخص الطالب، بمعنى أن يعرف الطالب مستوى جودة العمل الذي قام به. وأن يتجنّب فيها المعلّم مقارنة الطالب بزملائه، بل من الأفضل أن يشير إلى تحسّن مستواه وتطوّر أدائه عن المرّة السابقة.

2. يستهدف المعلّم في التغذية الراجعة التي يقدّمها إلى الطلبة المهمّة التي نفّذها الطالب، فلا يجب إطلاق العبارات العامّة المبهمة التي لا يستطيع الطالب بعدها الخروج بنتيجة، أو يعرف ما الخطوة القادمة المطلوبة منه، بل يشعر من كلام المعلّم بأهمّيّة الطريقة التي اتّبعها للوصول إلى النتيجة التي قدّمها، وكيف حقّق هذا الإنجاز الذي نال إعجاب المعلّم.

3. التعزيز الملائم والتغذية الراجعة يؤدّيان إلى تحسين طرق التفكير؛ فالطالب يسمع من المعلّم العبارات التي ستثير تفكيره حول الخطوة القادمة، وما الذي سيبنيه على هذا التعلّم للوصول إلى التعلّم اللاحق. وربّما تكون هذه الخطوة أولى خطوات دمج الطلبة في مجموعات عمل، فالطالب سيشعر بالأمان عندما يعرف أنّه سينال دعم المعلّم والشريك لإنجاز المهمّة المحدّدة.

4. التعزيز الملائم والتغذية الراجعة المناسبة يشعران الطلبة أنّهم متساوون، وهذه المساواة تعزّز ثقتهم بأنفسهم، لذلك فإنّ الطالب القلق والخجول والمتردّد لن يصمت دومًا حماية لنفسه من التنمّر، وأن يكون مثار سخرية الآخرين، بل سينمو لديه شعور بأنّه إن أخفق هذه المرّة فإنّه سيبدع في المرّة القادمة.

5. التعزيز الملائم والتغذية الراجعة المناسبة ستُخفي من الغرفة الصفّيّة "أشطر طالب في الصفّ"، فكلّ الطلبة سينالون الدعم الكافي بناء على حاجاتهم إلى التقدّم في التعلّم، ولن يكون التعزيز متوفّرًا في أيّ وقت وأيّ مهمّة، بل سينتقي المعلّم المواقف التي تستحقّ التعزيز والثناء، وهذا الأمر سيجعل الطلبة بانتظاره، لا أن يفقد التعزيز أهمّيّته بسبب كثرته.

 

إعادة المعلّمين النظر في طريقتهم في تعزيز الطلبة، والثناء على أدائهم، وآليات تقديم التغذية الراجعة بات أمرًا ضروريًّا يسهم في تحسين تعلّم الطلبة، وتطوّر مهاراتهم، وتحسّن أدائهم. لكن، يشير الدكتور علي مدكور في كتابه نظريّات المناهج التربويّة إلى أنّ التعزيز يخرج - من حيث لم يرد المعلّم - إلى آثار سلبيّة، وأنّ كثيرًا من دراسات علم النفس التربويّ أشارت إلى أنّ التعزيز قد يكون أقلّ فائدة في بعض الأحيان، ولذلك فإن واقع الخبرة التي مررتُ بها جعلني أتأمّل: لماذا لا يتحسّن أداء كثير من الطلبة رغم أنّني أقدّم لهم التعزيز بشكل واضح، وأمام الطلبة كلّهم، وأحيانًا أبالغ فيه؟!