منهاج رياض الأطفال وعلاقته بالتعلّم والتعليم في ظلّ كورونا
منهاج رياض الأطفال وعلاقته بالتعلّم والتعليم في ظلّ كورونا
2021/01/03
جمانة خروفة حزبون | مستشارة وباحثة تربوية متخصصة في الطفولة المبكرة-فلسطين

 

تعتبر مرحلة رياض الأطفال مرحلة محوريّة في نموّ وتطوّر شخصيّة الطّفل وتنمية استعداده للتعلّم في المراحل التعليميّة اللّاحقة، إذ تعتبر المرحلة التكوينيّة الحاسمة في حياة الفرد، كونها الفترة التي يتم فيها وضع البذور الأولى للشخصيّة التي تتبلور وتظهر ملامحها بوضوح في مستقبل حياة الطّفل، كما تشتد فيها قابليّة الطّفل للتأثُّر بالعوامل المختلفة المحيطة بهِ؛ ما يُبرز أهميّة السنوات الخمس الأولى في تكوين شخصيّته، وبناء كيانه بصورة تترك أثرها عليه طيلة حياته.

تُعتبر مرحلة رياض الأطفال هي المرحلة الأولى من مراحل التعليم، إذ تسعى إلى تحقيق النموّ الشامل والمتكامل للطفل بما يتلاءم وخصائصه النمائيّة التي تُحدّد طبيعة البرنامج والمنهاج فيها، فتعتبر مرحلةً مفصليّة في تنمية الاستعداد الأكاديميّ للطفل من خلال تطوير منهاج قائم على مبدأ التعلّم من خلال اللَّعب الذي يكون فيه الطّفل مُتعلّمًا نشطًا والمُربّية مُيسرةً لهذا التعلّم.

ومن هُنا، فإنّ نجاح مرحلة رياض الأطفال يعتمد على كفاءة وفعاليّة برنامجها ومدى ملاءمته للخصائص النمائيّة لطفل الروضة، واستجابتهِ لحاجاته وإمكانيّاته والظروف المحيطة بهِ، كما يجب أن يتلاءم مع الظروف المادّيّة والبشريّة للروضة ذاتها؛ فإنّ منهاج الروضة يجب أن يراعي طبيعة الأطفال الذين يخدمهم، والواقع المادّيّ للروضة، وعدد الكبار، أيْ المربّيات، مقابل عدد الصغار، أيْ الأطفال، في الصّفّ الواحد داخل الروضة.

 

طبيعيّة المنهاج في مرحلة رياض الأطفال

يعتبر التخطيط الدقيق والمُبكّر لبرامج ومناهج مرحلة رياض الأطفال ضرورةً مُلحّة في العصر الحاضر، والذي تفجّرت فيه المعرفة وأدّت إلى تغيير عالم الأطفال، فبرزت الحاجة لإثراء بيئتهم التعلّميّة بحيث تمكّنهم من اكتساب المفاهيم والاتجاهات والعادات التي تساعدهم على فهم البيئة المحيطة بهم والتكيُّف مع متطلّباتها خاصّةً في ظلّ حالة الطوارئ التي نعيشها اليوم إثر انتشار وباء كورونا على المستوى العالمي؛ ويكون هذا من خلال بناء خبرات تتدرج ممّا يعرفه الطّفل أو ما يطلق عليه من الطّفل ذاته ومن بيئته سعيًا للخروج به إلى الخارج، أي إلى خبرات تتناول مواضيع أوسع وأشمل.

يتعلَّم الطّفل، بمرحلة الطفولة المبكرة، من خلال المرور بخبرات واقعية وليس بالأساليب التلقينيّة التقليديّة، لذا كان ضروريًّا أن يُراعي المنهاج خصائص الطّفل النمائيّة بهذه المرحلة، وأن يُبنى على أساس التعلّم النشط والتعلّم بالاكتشاف والتعلّم من خلال مواقف وخبرات مألوفة لديه، فمحتوى المنهاج بحدّ ذاته يوظّف لتنمية استعداد الطّفل للتعلّم وتنمية مهاراته، لذا يجب أن يمرّ الطّفل بأنشطة مخطّطة تُنمّي استراتيجيّات التفكير والاسترجاع، وتُقوّي ذاكرته بمختلف أنواعها البصريّة والسمعيّة والحسّيّة، وتُنمّي العضلات الدقيقة، والألفة مع الكتاب والكتابة.

وتعتبر بيئة الروضة المادّيّة والبشريّة عاملًا أساسيًا في تخطيط منهاجها كما أشرنا سابقًا، لذلك لا يوجد برنامج أو منهاج مُحدد يناسب كل الروضات، وإنما المنهاج الملائِم لكل روضة هو الذي يراعي معطياتها وخصوصيتها، وخصوصية أطفالها.

انطلاقًا مما سبق، فإن عملية التطوير التربوي في مرحلة رياض الأطفال تبدأ من خلال بناء "منهاجٍ تطوريٍّ" متلائِمٍ مع خصائص الطّفل النمائيّة وإمكانياته، حيث يُقصد بمفهوم "المنهاج التطوريّ"، منهاجٌ مرّنٌ قابلٌ للتعديل بما يتلاءم مع حاجات وظروف الروضة وأطفالها من عام دراسي إلى آخر، والحاجات والظروف بالبيئة المحيطة بالطّفل كما نشهد اليوم بحالة الطوارئ التي نعيشها وأثرها على حياة كل من الكبار والصغار من مختلف النواحي، ما يؤدي إلى رفع نوعية عملية التعلّم والتعليم بهذه المرحلة، ويسهم في تحقيق الغايات السامية والمحوريّة من مرور الطّفل فيها، فمنهاج الروضة التطوري ليس منهاجًا محدّدًا أو ثابتًا من حيث الخبرات والأنشطة التي سيتعرض لها الطّفل خلال العام الدراسي بالروضة، وإنما هو منهاجٌ مبنيٌ على أساس إطارٍ عامٍ يُحدد به المخرجات (الأهداف المرجعيّة) التعلّمية المراد تحقيقها لدى الطّفل، بكل محور من محاوره (اللغة، التفكير والمنطق الرياضيّ، المفاهيم والظواهر العلميّة، الخ)، وتترك الفرصة للمربي/ المُربّية لتخطيط أنشطة وفعاليات تحقق هذه المخرجات، بما يتلاءم مع الظروف المحيطة بالطّفل، سواء داخل الروضة أو بالمجتمع الخارجي، فيكون دور المربّية محوريًّا بعملية التخطيط للمنهاج التفاعليّ، وكذلك بمساندة الطّفل خلال عمليّة تنفيذه له، بحيث تكون ميسّرة لتعلّم الطّفل، تسانده بطرق متنوعة وغير مباشرة، وهذا الدور الكبير للمربّية يشكل تحديًا لها، الأمر الذي يتطلب توفر كفاءات ومهارات تربويّة متميزة عندها للقيام بهذه العمليّة.

 

"الطّفل يصنع المنهاج" في الروضة والتعلّم في ظلّ حالة الطوارئ

يُبنى منهاج رياض الأطفال على أساس حاجات الأطفال وقدراتهم واهتماماتهم، وهو ما أُصطلح على تسميته في مرحلة الرياض استعارة "الطّفل يصنع المنهاج"، فهو شريك المربّية بهذه العمليّة، إذ ننطلق من خصائصه النمائيّة، والتي يُحدد بناءً عليها محتوى المنهاج (المعرفة والمفاهيم والمهارات واستراتيجيات التفكير المختلفة) لكلّ محور من محاوره، بحيث يُدْرج بشكل متواصل على مدى السنتين التي يقضيها الطّفل بالروضة، وذلك لوجود تمايزٍ بقدرات الأطفال واستعداداتهم النمائيّة ما بين الفئتين العمريّتين (أربع وخمس سنوات)، الأمر الذي يتطلّب إدراج محتوى المنهاج بشكل يتلاءم معها، مع مراعاة طبيعة أطفال الصف الواحد والفروقات الفرديّة بينهم.

والجدير بالذكر أنه حتى يكون الطّفل شريكًا فعليًّا بالمنهاج، لا بد من وجود وعيٍ وقبولٍ بمضمون ومعنى استعارة "الطّفل يصنع المنهاج" على المستوى التربويّ في المجتمع، سواء عند السلطات التربوية بمختلف مستوياتها أو عند الأهل ومؤسسات المجتمع المحليّ.

فعندما يُبنى المنهاج على أساس هذه الرؤية، أي مركزيّة الطّفل والظروف التي تحيط به وبالروضة، سواء كانت صحيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة... إلخ، مع الأخذ بعين الاعتبار معطيات الروضة ذاتها (بيئتها الماديّة والاجتماعيّة) وإمكانياتها، تكون عملية مواءمة منهاجها مع أي مستجدات محيطة عمليةً مرّنة، وهذا ما كنا بحاجة له عندما برزت فجأة حالة الطوارئ الوبائية. ولكن بسبب كون المنهاج الحالي لمعظم روضاتنا مبنيًّا على التعليم المباشر، الذي يجعل المربّية مركز العمليّة التعلّمية التعليميّة والطّفل متلقٍ سلبيًّا، فرض عليها القيام بإعادة هيكلة منهاجها ولو بشكلٍ مؤقّت، ولكن بصورة عشوائيّة وغير مخطط لها، في محاولة للاستجابة لمتطّلبات الحالة الوبائية، عبر عملية التعلّم الوجاهيّ، أو عملية التعلّم عن بُعد.

كما أنّ المنهاج القائم على مركزية دور الطّفل فيه، هو منهاج ينظر لأولياء الأمور كشركاء بعملية تعلّم وتعليم طفلهم، أي أنّ البيت والروضة يكملان كل منهما الآخر، وبسبب حالة الطوارئ الحاليّة، فإننا بحاجة لتجسيد هذا الدور من قبلهم، وخاصةً الجزء المتعلّق بالتعلّم عن بُعد، لذا لو كان منهاج الرياض الحاليّ مبنيًا مسبقًا وفق هذه الرؤية، لكان تنفيذ عملية التعلّم والتعليم مع الأطفال في ظل الوباء أسهل بكثير، وذلك بالشراكة مع الأهل ذوي الدور المركزيّ فيه من الأساس.

 

كيف نطبق المنهاج التفاعليّ بشكل عمليّ في الروضة، خاصةً في الظروف الحاليّة؟

يتجسّد المنهاج التفاعلي في كون الطّفل نشطًا ومبادرًا في تعلّمه، يتعلم من خلال الممارسة الفعليّة أثناء مروره بخبرات واقعية تتيح له فرص الاستكشاف والبحث والتحرّي، ما يؤدي به إلى استخلاص المعرفة بمختلف أشكالها بشكلٍ ذاتي بمساندة المربّية، والتي يتمحور دورها في التخطيط للأنشطة وتنظيم البيئة بمختلف مكوناتها بالشكل الذي ينسجم مع أهداف كل نشاط.

على سبيل المثال، عندما يكون الموضوع الشامل من مواضيع المنهاج هو "فصل الشتاء"، تقوم المربية بإثراء البيئة بمختلف أركانها (أركان الخيال: مثل ركن البيت وركن الطبيب، وركن التركيز، وركن العلوم، وركن الفن)، بالتجهيزات والمواد التربوية المتناسبة معه، كما تقوم بتخطيط وتنفيذ أنشطة تعلّمية تفاعلية مع الطّفل لكل محور من محاور المنهاج عبر هذه الأركان، فمثلًا يوضع بركن الخيال(البيت) ملابس شتويّة للطّفل وللدّمية، وسجادة، ومظلة. وتُخطّط أنشطة متعددة يلعب بها الأطفال أدوارًا دراميّة متنوّعة داخل الركن، تُكسبهم مفاهيم ومهارات مختلفة، سواء كانت علميّة أو اجتماعيّة أو لغويّة أو غيرها. وبركن التركيز مثلًا، يُنفذ الطّفل نشاطًا لغويًّا (مطابقة كلمة وصورة) لصور وكلمات ترتبط بالموضوع الشامل (مطر، غيمة، معطف).

تُحقق مثل هذه الأنشطة التفاعلية أهدافًا نمائيّة متنوّعة لدى الطّفل (لغويّة، واجتماعيّة، وحركيّة، ومنطقًا رياضيًّا)، والذي يأخذ تعلّمه شكل لعبٍ ممتع بالنسبة له، فوفق هذه الشخصية، يكون الطّفل باحثًا ومتعلّمًا ذاتيًا، يعتمد على نفسه لقيادة عملية تعلّمه داخل وخارج الروضة، وهذه الشخصية المرنة الفعَّالة والقيادية في تعلّمها، الناشطة للبحث والاكتشاف، هي ما نحن بحاجة إليه اليوم، خصوصًا في ظل عملية التعلّم عن بُعد، أو في ظلّ أي تحدٍ آخر قد يستجد على حياة الطّفل وعلى عملية التعلّم والتعليم لاحقًا، وهو ذلك الطّفل الذي تسعى إليه الروضة كمرحلة تعليميّة أساسيّة.

 

ماذا نحتاج اليوم؟ 

انطلاقًا ممّا سبق، فإن حالة الطوارئ المفاجئة التي واجهتنا في ظل وباء كورونا خلقت لنا فرصة لإعادة النظر في مناهجنا وأساليب التعلّم والتعليم القائمة عليها ضمن مرحلة رياض الأطفال، وأظهرت جليًّا التحديات التي تتضمنها، والجوانب التي تحتاج للتطوير فيها، لمنح طفل هذه المرحلة نوعيّة تعلّم وتعليم مميزة، متناسبة مع حاجاته وخصائصه النمائيّة، تؤدي إلى نموّ وتطوّر شخصيّته من مختلف جوانبها النمائيّة بشكل سليم، وتخلق إنسان المستقبل القادر على قيادة نفسه وتعلّمه، ومن ثم قيادة مجتمعه بشكل مُنتج، يتحقّق للطفل من خلاله الصّحّة النفسيّة والذهنيّة والاجتماعيّة والانفعاليّة.

كما برزت الحاجة لإعادة النظر ببرامج تأهيل مربّين ومربيات مرحلة رياض الأطفال بشكل ينسجم مع الرؤية السابقة لدور الروضة في حياة الطّفل، بالإضافة لضرورة بناء برامج خاصة لتأهيلهم للعمل بهذه المرحلة التعلّمية، بالكليات والجامعات، وذلك لندرة مثل هذه البرامج المتخصّصة في جامعاتنا.

وأخيرًا ظهرت حاجة ملحة لتطوير دور أولياء الأمور في تعلّم وتعليم طفلهم بهذه المرحلة التعليميّة، ليكونوا شركاءَ حقيقيّين مساندين للروضة وفريق العمل فيها، ولديهم فهم واضح لحاجات طفلهم بهذا العمر، وأهمّها الحاجة لبناء شخصية سويّة، وتطوير مختلف مهاراته النمائيّة بشكل يجعله قادرًا على التعلّم بيسر وسهولة بالمراحل التالية، فالعمل مع أولياء الأمور مُكّونٌ محوريّ ببرنامج الروضة حتى يحقق أهدافه وغاياته.