كيف نهيئ أبناءنا نفسيًّا للدخول المدرسيّ؟
كيف نهيئ أبناءنا نفسيًّا للدخول المدرسيّ؟
2021/10/02
د. محمّد الازهر بالقاسمي | أخصائيّ علم النفس التربويّ

يعتبر علماء النفس أنّ دخول الطفل المدرسة بمثابة مرحلة الفطام الثانية التي يفصل فيها الطفل عن أمه، ما يستوجب على الآباء والأولياء معرفة المراحل التي تساعدهم في نقل أبنائهم من مرحلة (الأنا) التي يعيشها الطفل في وسطه الاجتماعيّ الصغير (الأسرة) إلى مرحلة (نحن) التي سيعيشها مع زملائه الجدد في (المدرسة).

ويعدّ تعريف الطفل بالعالم الخارجيّ مرحلة نفسيّة مهمّة جدًّا تنقله من حنان (الأم) والالتصاق بها وتلبية كل مطالبه ورغباته، إلى السلطة الخارجيّة مع شخص غريب عنه (معلّمته أو معلّمه)، وجو مليء بالضوابط وأكثر التصاقًا بكرسيه الصغير، وطاولته الصلبة، داخل غرفة محدودة الجدران تختلف عن غرفة نومه الدافئة، دون أي مشاغبات ولا أي تصرّفات طائشة أو عدوانية قد تؤدّي به للعقوبة المعنويّة أو المادّيّة إذا اقتضى الأمر. وهذا يستدعي من الآباء تهيئة أبنائهم نفسيًّا للدخول المدرسيّ؛ وذلك من خلال:

عندما تأتي مرحلة الدخول المدرسيّ، تبدأ عند الأهل حالة من الهلع والخوف من متطلّبات هذا الدخول المدرسيّ، ما ينقل هذه الطاقة السلبيّة بطريقة غير مباشرة للأبناء، وإعطائهم صورة سلبيّة عن المدرسة.

أولًا: ترغيب الطفل في المدرسة

تتمثّل هذه المرحلة في ترغيب الطفل في المدرسة وتشكيل صورة ذهنيّة وروح إيجابيّة عنها، خاصّة وأن أغلب الآباء، عندما تأتي مرحلة الدخول المدرسيّ، تبدأ عندهم حالة من الهلع والخوف من متطلّبات هذا الدخول المدرسيّ، ما ينقل هذه الطاقة السلبيّة بطريقة غير مباشرة للأبناء، وإعطائهم صورة سلبيّة عن المدرسة.

نقاط عمليّة

من النقاط العمليّة التي ترغّب الطفل في المدرسة هي: تجهيز مشتريات المدرسة، وهي أهم نقطة تخلق نشاطًا إيجابيًّا لدى الطفل عند دخوله المدرسيّ، ذلك من خلال ما يمكن أن يتعرّف عليه من شراء الأدوات المدرسيّة؛ كالمحفظة والأقلام ذات الألوان الجذّابة...، وهُنا نصيحة للآباء أن يُرافقوا أبناءهم في عمليّة المشتريات المدرسيّة بروح مرحة وايجابيّة بعيدة عن الصراخ والنكد، مع إعطاء الطفل مساحة من الحرّيّة في اختيار الأدوات حسب ما يعجبه من ألوان، وأشكال، وأنواع... بدون الضغط عليه في عمليّة الاختيار.

ومن النقاط العمليّة، أيضًا، في ترغيب الطفل في المدرسة هو سؤاله باستمرار عمّا استفادَ من معلّمته في المدرسة، وإعطائه الإحساس بأنّه يقوم بشيء مهم.

 

ثانيًا: اندماج الطفل مع الآخرين

من بين المراحل التي تساعد الأبناء على تهيئتهم نفسيًّا للدخول المدرسيّ هي مرحلة الاندماج، وتتمثّل هذه المرحلة في تعويد الطفل وتدريبه على الاندماج مع الآخرين قبل دخوله إلى المدرسة.

 نقاط عمليّة

1. افسحوا لأبنائكم المشاركة في الحوار الأسريّ والاستماع لرأيهم وإن كان خاطئًا.
2. عودوا أبناءكم اللعب مع إخوانهم وأقاربهم وأصدقاء الجيران، فإنّ ذلك يساعدهم على الاندماج مع زملائهم في المدرسة.
3. امنحوا أبناءكم التقدير والاحترام من خلال السماح لهم بأن يجلسوا مع الكبار؛ باعتبارها أحد مجالس تشكيل وصقل الشخصيّة.
4. مجالسة الطفل للكبار هو أحد فضاءات الطفل للتعبير عن الذات والاندماج مع الآخرين؛ فيتعلّم كيف يعارض، وكيف يقول (لا)، وكيف يعبّر عن رأيه.

تعدُّ مصاحبة الطفل إلى المدرسة من قبل الأولياء مهمّة جدًّا عند دخوله اليوم الأوّل للمدرسة، بحيث يشعر الطفل بالأمان وبثقته بنفسه ما يزيد من توطيد العلاقة بين الطفل والمدرسة.

ثالثًا: مصاحبة الطفل إلى المدرسة

تعدُّ مصاحبة الطفل إلى المدرسة من قبل الأولياء مهمّة جدًّا عند دخوله اليوم الأوّل للمدرسة، بحيث يشعر الطفل بالأمان وبثقته بنفسه ما يزيد من توطيد العلاقة بين الطفل والمدرسة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذه المصاحبة تعكس صورة إيجابيّة لدى أطراف العمليّة التربويّة، وعلى رأسهم المعلّم، لأن هناك اهتمام وحرص إيجابيّ من طرف الوليّ في متابعة ابنه، ما يسمح لهيئة التدريس التواصل معه من خلال الالتقاء به أثناء عمليّة المتابعة والتعرّف أكثر على شخصيّة الابن وتوجيهها التوجيه السليم.

نقاط عمليّة

1. ننصح الآباء بمصاحبة أبنائهم الذين يدخلون المدرسة لأوّل مرّة أن يرافقوهم لمدّة ثلاثة أيّام متتابعة؛ وذلك حتى يكون نقل الطفل من الأسرة إلى المدرسة فيها نوع من التدرّج خاصة إذا كان الطفل اجتماعيًّا. أما إذا كان الطفل من النوع الخجول فينصح مرافقته يومًا واحدًا للمدرسة، وهو اليوم الأول فقط، ثم نترك الطفل لوحده، وهو بمثابة فطام الطفل عن أسرته.
2. ننصح مسؤولي المدارس وخاصّة رياض الأطفال القيام بحفل صيفيّ للأطفال الجدد قبل بداية الموسم الدراسيّ، وذلك بقصد كسر الحاجز بين الطفل والمدرسة.

السلوكيات التي تطرأ على الأبناء بعد دخولهم للمدرسة، قد تجعل بعض الآباء يفهم بأن هناك مشكلة لدى الابن وبالتالي يسهل عليهم حلّها قبل تطورها وتعقدها.

رابعًا: خوف الطفل من المدرسة

إذا لاحظت أنّ ابنك لا يحبّ الذهاب إلى المدرسة، وتظهر عليه علامات الخوف (البكاء، الرفض، القيء، الإسهال، كثرة النوم واضطراباته، عدم الرغبة في الاستيقاظ...)، إذ تعدّ هذه العلامات من مظاهر الخوف عند الطفل من المدرسة أو ما يسمّيها علماء النفس "الرهاب المدرسيّ"؛ وهو اضطراب بسيط يسهل علاجه، وعادة ما يصيب التلاميذ المميّزين، حيث يستوجب العلاج ويتمثّل بمرافقة الطفل للمدرسة، خاصّة الأسبوع الأوّل، وقد يضطر الأب مشاركة الطفل داخل الصفّ المدرسيّ أو بجانب الصف حتى يتم إعادة البناء النفسيّ للطفل قبل استفحال الحالة.

نقاط عمليّة

1. لا تخوّف ابنك من المعلّم حتى لا يأخذ صورة خاطئة عن المدرسة.
2. حدث ابنك عن قصّة حياتك المدرسيّة عندما كنتم في سنّهم الدراسيّ.
3. يجب حماية الطفل من التنمّر المدرسيّ وتعرّضه للعنف من قبل زملائه.
4. على الآباء أن يختاروا لأبنائهم زملاء جيّدين في المدرسة.
5. على الآباء أن لا يضغطوا على الطفل دراسيًّا خاصّة فترة الامتحانات، ما يسبّب له الهروب حتى من المنزل خوفًا من ردّ فعل الأهل.
6. على المعلّم انتقاء طريقة تدريس جيّدة واختيار الأسلوب الأمثل الذي يناسب التلاميذ حسب مراحلهم الدراسيّة، وتجنّب الألفاظ السيّئة التي تجرح كرامة التلميذ.

 

خامسًا: ملاحظة ومتابعة الأبناء بعد دخولهم المدرسة

تقوم هذه المرحلة على الملاحظة والمتابعة الجيّدة من طرف الآباء لجميع التصرّفات والحركات التي يقوم بها أبناؤهم، فالسلوكيات التي تطرأ على الأبناء بعد دخولهم للمدرسة، قد تجعل بعض الآباء يفهم بأن هناك مشكلة لدى الابن وبالتالي يسهل عليهم حلّها قبل تطورها وتعقدها.

نقاط عمليّة

1. إذا لاحظت أن ابنك لديه خوف شديد من المدرسة، فسارع لتدارك هذا الرهاب المدرسيّ الذي تكلمنا عنه في المراحل السابقة.
2. إذا لاحظت أن ابنك لديه انسحاب اجتماعيّ، ولا يستطيع تشكيل علاقة اجتماعيّة سليمة في المدرسة أو العكس، بحيث يكون لديه حركة مفرطة، أو اندفاعيّة وتهوّر، أو شرود في الذهن...، أو تجده يخلط بين الحروف أو الكلمات أو الأرقام ويجد مشكلة في نطقها، أو استيعابها... وغيرها، مثل هذه المشكلات تدلّ على وجود صعوبات في التعلّم، إما عسر في القراءة، أو الكتابة، أو الحساب، وهذا النوع من الاضطرابات يحتاج المسارعة به إلى مختصّ في هذا المجال لأن اضطرابات التعلّم عادة ما تظهر عند دخول الطفل المرحلة الابتدائيّة.
3. إذا لاحظت أن ابنك ليس لديه مفردات كثيرة للتعبير، ويلجأ إلى الإشارات كي يحاول إكمال جملته، أو تجد عنده مشكلة في مخارج الحروف، فمثلًا أثناء نطقه للكلمة بدل أن يقول (راء) يقول (لام)، أو تجد لديه نوع من (التأتأة)، أو مشكلة في الحبال الصوتيّة... وغيرها، مثل هذه المشكلات تسمّى بـ: "الاضطرابات الأرطفونيّة" والتي يحتاج الطفل فيها إلى (أخصائيّ أرطفوني).
4. هناك مشكلات أخرى ممكن أن يلاحظها الآباء من خلال متابعة أبنائهم، مثل: انخفاض علامات الطفل في أحد المواد، عدم الرغبة في التفاعل مع المناخ المدرسيّ، رفض الحديث مع المدرّس، العلاقة غير الطيبة مع زملائه، عدم الرغبة في انجاز الواجبات المدرسيّة، كثرة التغيّب والهروب من المدرسة... إلخ.

 

ومن خلال ما سبق ذكره يتضح أن للآباء دورًا كبيرًا في نجاح أو فشل التلميذ دراسيًّا، خاصة من طرف الأم وما تقدّمه من اهتمام ورعاية ومتابعة لأبنائها أثناء المذاكرة، وهذا ما أكدّته دراسة استمرّت عشرين سنة، إذ أثبتت أن السرّ وراء تفوق التعليم في اليابان يكمن في مساعدة الأمهات لأولادهن على المذاكرة وكتابة الواجبات المدرسيّة.