سفراء العلوم رحلة التعلّم النشط من الصف إلى المنزل
سفراء العلوم رحلة التعلّم النشط من الصف إلى المنزل
أمل أبو زيد | معلمة علوم- فلسطين

مقدّمة

ينظر المعلّمون، في معظم المؤسّسات التعليميّة، نظرةً متثاقلة إلى التعلّم النشط، وذلك بسبب الصعوبات التي يواجهونها، والأعباء التي تقع على عاتقهم، وضيق وقت الحصّة الدراسيّة، وكثافة المنهاج الدراسيّ، وكثرة أعداد الطلّاب واختلاف احتياجاتهم. وقد ظهرت مؤخّرًا، إثر جائحة كورونا، تحدّيّات أخرى أمام المعلّم تفرض عليه التعامل مع واقع تعليميّ جديد، يتمثّل بالتعليم عن بعد.

من أجل ذلك، كان لا بدّ للمعلّم أن يضع الطلّاب موضع مسؤوليّة أمام العلم، ولا سيّما إثر انتشار المعلومات الزائفة في المواقع الإلكترونيّة وسهولة الوصول إليها، وذلك بتكليفهم بمهمّات تعلّميّة نشطة، يمارس الطلّاب من خلالها مهارات البحث والتجريب، فينقلون المعرفة إلى فئات قريبة من المجتمع، مثل الأهل، أو يروّجونها لفئات أبعد، مثل متابعوهم في وسائل التواصل الاجتماعيّ، أو ينقلونها في صفّ افتراضيّ يمثّلون فيه سفراء العلم.

تقترح هذه المقالة أفكارًا لتصميم مهمّات تعلّم نشط، تتمثّل في تصميم رحلات تعلّميّة، تنطلق من بيئة الصفّ المدرسيّ، وتمرّ بالصفّ الافتراضيّ، ثمّ تنتهي في المنزل، ليقيّم المعلّم بعد ذلك المنتجات ويقدّم التغذية الراجعة. تتنوعّ هذه المهمّات باختلاف الموضوع العلميّ، فمنها مهمّات بحثيّة، ومنها مهمّات عمليّة علميّة تتيح للطلّاب تقمّص أدوار سفراء العلوم أمام الأهالي في المنزل.

 

حول التعلّم النشط وسفرائه

يعرّف كلّ من اللقاني والجمل (2003) التعلّم النشط بأنّه التعلّم الذي يكون فيه للطالب دور فعّال، حيث يشارك بالقراءة والبحث والاطلاع، وينظّم النشاطات الصفيّة واللاصفيّة، ولا يكون للمعلّم مهمّة في ذلك كلّه سوى التوجيه والإرشاد. بينما يعرّفه سعادة وزملاؤه (2006) بأنّه طريقة تعلّم وتعليم في آن واحد، إذ يشارك الطلّاب في النشاطات الصفّيّة المختلفة وفي التمارين والمشاريع، من خلال بيئة تعليميّة غنيّة ومتنوّعة، تفسح أمامهم المجال للمناقشة الثريّة والحوار البنّاء والتفكير الواعي، فضلًا عن التأمّل العميق لكلّ ما تتمّ قراءته أو كتابته أو طرحه في مادّة دراسيّة. بالإضافة إلى مناقشة القضايا أو الآراء أو المشكلات مع بقيّة الطلّاب، وفق إشراف المعلّم على العمل وحثّ الطلّاب على تحقيق الأهداف الطموحة للمنهاج الدراسيّ، التي تركّز على بناء شخصيّة المتعلّم.  

أمّا التعلّم النشط في نشاطات سفراء العلوم فيتضمّن ممارسة المتعلّم لمهمّات مختلفة، تتمثّل بمجملها في القيام بتجربة علميّة منزليّة، أو بالبحث عن إمكانيّة توافر الموادّ الكيميائيّة في البيئة المحيطة، أو بتطبيقات المحاكاة على شبكة الإنترنت. كما قد تتضمّن بعض الأساليب التقديميّة، مثل عرض التجربة المنفّذة أمام أفراد الأسرة بتقمّص دور السفير العلميّ، أو بعض الأساليب الإعلاميّة، مثل إنتاج فيلم قصير أو كتابة تقرير رقميّ أو تصميم "بروشور"، بهدف التوعية المرتبطة بالموضوع العلميّ الذي تمّ تناوله في الصف المدرسيّ، ومن ثمّ الترويج له في صفحات التواصل الاجتماعيّ، أو في بيئة الصفّ الافتراضيّ، أو في قنوات "اليوتيوب"، بحيث يصمّمها المتعلّم تصميمًا يوائم عمليّة التعلّم عن بعد.

 

أهداف نشاطات سفراء العلوم

  1. ربط الموضوعات العلميّة بالحياة، وتسليط الضوء على بعض المواد الكيميائيّة المتوافرة في المنازل، من أجل إجراء التجارب خارج نطاق المدرسة.
  2. جعل التعليم متمركزًا حول الطالب بفسح المجال أمامه للعب دور العالم أو الباحث، وذلك بإجراء التجارب وترتيب البيانات وعقد الملاحظات واستخلاص النتائج.
  3. إكساب الطالب بعض الممارسات المخبريّة ضمن حدود المنزل، والبحث عن بدائل للعمل في ما يتّصل بأدوات التجربة أو الموادّ الكيميائيّة اللازمة.
  4. تعزيز المرونة الفكريّة لدى الطالب باكتشاف حلول وبدائل ملائمة من ممكنات حوله.
  5. تعلّم مهارات الترويج الرقميّ والإعلاميّ، من خلال توثيق نتاجات التجربة بإنتاج فيلم قصير أو "بروشور".

 

مهمّات تعلّميّة نشطة

تمّ تصميم مهمّات تعلّميّة من واقع حصص العلوم لطالبات الصفّين الثامن والتاسع، نفّذنَ من خلالها تجارب علميّة وعمليّة في المنزل، وبحثن عن موارد من الوسط المحيط، مثل المطبخ، ومن ثمّ قمن بعرضها أمام العائلة، متقمّصات دور العالِم بما مارسنَهُ من مهارات الملاحظة والاستنتاج، وفي النهاية، وثّقت الطالبات العمل بصناعة منتج رقميّ موجّه إعلاميًّا في وسائل التواصل الاجتماعيّ. 

نقدّم، في هذا القسم من المقال، نماذج تطبيقيّة نُفّذِت في فترة التعلّم عن بعد، وأصبحت نهجًا للممارسة التربويّة الممتعة في تدريس مادّة العلوم، واستمرّ توظيفها بعد العودة إلى المدرسة في عمليّة التعلّم الوجاهيّ، وفي عمليّة التعلّم المدمج.

 

الصوت المسموع وغير المسموع

انطلاقًا من درس "تردّد الصوت" في منهاج الصف الثامن، والذي يتطرّق إلى أسئلة تجريبيّة، من مثل: هل تستطيع أذن الإنسان سماع الأصوات جميعها؟ هل تسمع القطة أصواتًا لا نستطيع سماعها؟ ما قيمة التردّدات للمدى المسموع لدى الإنسان؟

صمّمتُ مهمّة عمليّة لتنفّذها الطالبات في منازلهن، وذلك وفق الخطوات الآتية: 

1. قياس المدى المسموع لجميع أفراد الأسرة باستخدام تطبيق فحص السمع على أجهزة "الأندرويد"، أو من خلال فيديو يعرض التردّدات الصوتيّة من 5 HZ إلى 20000 HZ.

2. ترتيب قيم المدى المسموع لأفراد الأسرة في جدول. 

3.استقراء البيانات في الجدول، وتسجيل الملاحظات والاستنتاجات.

4.البحث عن إرشادات ونصائح حول سلامة الأذن ووقايتها من التلوّث السمعيّ.

5.ترتيب خطوات التجربة في تقرير أو منتج ترويجيّ رقميّ (فيديو، بوستر).

تمكّنت الطالبات من تنفيذ التجربة ومن إدراك مدى الصوت المسموع وفق ما أجرينَه من قياسات، كما توصّلنَ إلى معرفة جديدة مفادها أنّ مدى الصوت المسموع يقلّ كلّما تقدّم عمر الإنسان، فضلًا عن تحقيقهن توعية صحيّة لأفراد أسرهن. 

 

تحدّيّات كيميائيّة وبدائل 

عقدتُ نشاطًا حول درس "الانحلال" لطالبات الصفّ التاسع، وهو من الدروس التي يصعب عادةً توظيف نشاط خارجيّ حولها، لما يتطرّق إليه من أنواع التفاعلات الكيميائيّة، إذ يحتاج الطالب إلى تفكيك المادّة الواحدة إلى مادّتين أو أكثر، كتفكيك أكسيد الهيدروجين إلى ماء وغاز الأكسجين بإضافة مادّة يوديد البوتاسيوم. فللوهلة الأولى وجدتُ صعوبة في تصميم مهمّة للدرس، لافتقار بيئة الطالبات المنزليّة للمواد الكيميائيّة اللازمة، ولكن بعد البحث عن مجالات استخدام المادّة، تبيّن أنّها تتواجد في مكوّنات صبغة الشعر، والتي تسمّى تجاريًّا بمادّة الأوكسيداين المستخدمة لتفتيح الشعر، أمّا المادّة المضافة فاستُبدِلت بالقليل من الخميرة. كلّفتُ الطالبات بالمهمّة وفق الخطوات الآتية:

  1. البحث في المنزل أو في صيدليّة الحيّ عن مواد التفاعل اللازمة لنشاط الانحلال، وهي مادّة الأكسيداين التي يمكن استخلاصها من صبغة الشعر، وخميرة، وصابون جافّ وصابون سائل، وكأس زجاجيّ يشبه الأنبوب أو زجاجة ذات قطر صغير.
  2. ملء ثلث الكأس بالأوكسيداين، ثم إضافة ثلاث قطرات من الصابون السائل، وربع ملعقة من الخميرة.
  3. إجراء تفاعل الانحلال أمام أفراد الأسرة، والإجابة على أسئلتهم، وتوضيح ما تمّ ملاحظته واستنتاجه.
  4. توثيق العمل في صور مرتّبة أو فيديو ترويجيّ منظّم، يحتوي المواد والأدوات وطريقة التجربة والملاحظة والاستنتاج.

اكتشفت الطالبات، من خلال هذا النشاط، أسماء جديدة للموادّ الكيميائيّة المستعملة في المنتجات التجاريّة، وتعرّفن على بعض استخدامات هذه الموادّ، وعلى التفسيرات المصاحبة للتغيّرات الظاهرة أثناء أداء التجربة، حيث صاحب التفاعل تصاعد الغازات إثر عمليّة انحلال الأوكسيداين. كما توصّلن إلى الاستنتاج بكتابة معادلة كيميائيّة رمزيّة للتفاعل، من أجل تحديد الغاز المتصاعد، ثم وثّقن التجربة بفيديو ترويجيّ يتضمن خطوات التنفيذ، وتقديمه في الصفّ الافتراضيّ، أو نشره في مجتمعات العلوم على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

 

ليلة صافية من ليالي ديسمبر

في درس "لمعان النجوم" موقف تعليميّ ينطلق من بيئة الصفّ، إذ يتناول هذا الدرس جدولًا للبيانات يتطرّق إلى مقادير لمعان النجوم وألوانها، تعرّفت الطالبات فيه إلى ثاني ألمع نجم في الجزء الشماليّ، ألا وهو نجم الشعرى اليمانيّة. اتّخذ الدرس مسارًا حواريًّا تساءلن فيه عن سبب تسمية النجم باسمه، فتطوّر النقاش نحو البحث في سياقات الميثولوجيا وارتباطاتها بتسمية النجم وشهرته في قصص الشعوب القديمة. الأمر الذي أشعل حماسهن لرصد النجم في السماء، وحفّزني على عقد نشط خارجيّ، كلّفتُ فيه الطالبات بالمهمّة الآتية:

  • رصد نجم الشعرى اليمانيّة بالعين المجرّدة، بصحبة الأهل والأصدقاء.
  • الزمان: 15 ديسمبر الساعة التاسعة مساءً.
  • المكان: الجهة الغربيّة بالقرب من الأفق، جنوب كوكبة الجبار (من كويكبات الشتاء الشهيرة التي دُرِست سابقًا).
  • شرط إضافيّ لنجاح الرصد: يجب أن تكون السماء صافية وخالية من الغيوم.
  • البحث عن اسم النجم باللغة الإنجليزيّة، وتقديم قصّة واحدة من قصص الشعوب القديمة حول النجم.
  • الاستعانة بتطبيق Stellarium لتحديد موقع النجم.

قامت الطالبات برصد النجم في السماء، واستطاعت طالبة واحدة من بينهن التقاط صورة النجم، بتثبيت عدسة قلم ليزر على كاميرا الهاتف المحمول، ثمّ قامت بإنتاج فيديو توضيحيّ لبقية زميلاتها، وهكذا حقّقت هدفها وأدّت دور سفيرة العلوم، ناقلةً المعرفة إلى أسرتها، ومشاركةً العلم مع زميلاتها ومجتمعها الخارجيّ.

 

خاتمة

بناءً على تجربتي لهذه النشاطات مع طالباتي، وجدتُ أنّ هذا النهج في التعليم لا يمكّن الطالب من المحتوى العلميّ المتناول في الحصّة الصفّيّة فحسب، بل يزيد ثقته بنفسه بما ينفّذه من مهمّات تعلّميّة تنفيذًا نشطًا، إذ يتجاوز التلقين السلبيّ والعرض العلميّ. كما أنّ الترويج الإعلاميّ لنتاجات الطالب في الصفوف الافتراضيّة أو في وسائل التواصل الاجتماعيّ، يعمل على خلق نوع جديد من التعزيز الإيجابيّ والمعنويّ الذي يواكب مستجدّات العصر عبر فضاءات مختلفة خارج الصف الدراسيّ.

 

المراجع

  • سعادة، جودت وزملاؤه. (2006). التعلّم النشط بين النظريّة والتطبيق. دار الشروق للنشر والتوزيع.
  • اللقاني، أحمد حسين، والجمل، علي أحمد (2003). معجم المصطلحات التربويّة المعرفيّة في المناهج وطرق التدريس. عالم الكتب.