بعد الجائحة... لن يحبس الطلبة والمعلّمون أنفاسهم
بعد الجائحة... لن يحبس الطلبة والمعلّمون أنفاسهم
2021/11/13
محمّد تيسير الزعبي | خبير تطوير أساليب تدريس اللغة العربيّة - الأردن

لم تكن آثار جائحة كورونا كلّها سلبيّة، فقد منحت الجائحة الموظّفين في مختلف المهن مدّة لا بأس بها للراحة من المهمّات الوظيفيّة اليوميّة، والتخلّص من روتين العمل الاعتياديّ. هذه المدّة من التوقف أتاحت للموظّفين، ومن بينهم المعلّمين، فرصة للراحة والتفكير، ومن ثم إعادة ترتيب أولوياتهم من جديد، وهذه الفكرة هي بالذات ما أخبرني بها أحد المعلّمين، في ندوة ثقافيّة حول تأثيرات الجائحة في النظام التعليميّ على وجه التحديد، إذ قال لي: "إنها كانت فرصة ثمينة للتأمّل فيما نفعله في الغرف الصفّيّة، ومدى تحقيقه لأهداف التعلّم التي نريد تحقيقها".

وإذ أركّز الحديث في هذه التدوينة القصيرة عن المعلّمين، فإن الجائحة وفّرت مساحة كافية لتطوير مهارات التعلّم الذاتيّ، ووضعت المعلّم تمامًا أمام تحدّيات يواجهونها الطلبة دون أن يشعر، ذلك أن المعلّم يشرح الدرس وفق خطّة تتسق، بالدرجة الأولى، مع وقت الحصّة الزمنيّ، وبما لا يتعارض من وقت الفصل الدراسيّ الكلّيّ، بحيث ينتهي المعلم من وحدات الكتاب المنهجيّ بحلول الامتحانات النهائيّة، وغالبًا ما يشرح المعلّم درسه بالتفصيل، يُكرّر معلومات الدرس المهمّة والأساسيّة، ويسأل الطلبة ليتأكّد من فهمهم، لكن صدمته تكون عندما تأتي نتائجهم في الامتحانات دون توقّعاته، أو استغراب الأهل من أنّ ابنهم، الذي يتعلّم دروس اللغة العربيّة، غير قادر على كتابة فقرة قصيرة في مواقع التواصل الاجتماعيّ ردًّا على إعلان مدرسته فيما يتعلق بشرح الدروس عبر المنصّة التعليميّة، أو لا يستطيع التحدّث مدّة دقيقة بلا تردّدٍ أو تلعثمٍ عندما يرسل تسجيلًا صوتيًّا. وكذلك الأمر في الرياضيّات، فقد لا ينجح الطالب في حساب مصروفه الأسبوعيّ، ذهنيًّا، مع أن المعلم يريد منهم إتقان الحساب الذهنيّ. أما في العلوم، فإن صدمة الأهالي لم تكن بسيطة عندما عرفوا أنّ معلومات الأبناء فيما يتعلّق بالفيروسات محدودة، مع أن كتب العلوم تضجّ بالحديث عن المجاهر والكائنات التي لا ترى بالعين المجرّدة والأمراض المعدية بين الكائنات الحيّة. 

كانت هذه التحدّيات تجارب حقيقيّة عرضتها بعض الأسر في الندوة المذكورة.

 

كثير من هذه الأمثلة تتكرّر يوميًّا، وقد وصل بعضها إلى المعلّمين، الذين وجدوا أنفسهم أمام حتميّة التأمّل في أساليب تدريسهم، وأنه يجب التأكّد من انتقال التعلّم إلى الحياة اليوميّة التي يعيشها الطالب، أو ظهور الأثر في أداء الطالب عندما يقدم امتحانًا أو ينفّذ مهمّة.

إن هذا الأمر يمكن تعزيزه، ويمكن تدريب الطالب عليه عن طريق التركيز على مهارات التعلّم الذاتيّ.  

امتلاك مهارات التعلّم الذاتيّ كان القاسم المشترك بين المعلّمين والطلبة، فكلاهما كانا أمام مهارات جديدة في التعليم والتعلّم، وهذا الأمر عدّه الخبراء من الخصائص المهمّة للفرد في المستقبل، لتأتي الجائحة وتثبت هذه الدعوة، وتعزّز القناعة بأن الإنسان في مرحلة من المراحل يجب أن يكون متعلّمًا ذاتيًّا.

يُكسب المعلّم طلبته مهارات التعلّم الذاتيّ عندما يمنحهم فرصة تجريب ما تعلّموه، بحيث يقدّم المعلّم عند تدريسه الطريقة التي سيسير الطالب وفقها لينتج تعلّمه الخاصّ، وهذا الأمر يعني أن على المعلّم أن يُظهر أمام طلبته كيف حقّق نقطة التعلّم ونفّذها في الغرفة الصفّيّة، فإذا أراد المعلّم التوصل لمعاني المفردات الجديدة في النصّ القرائيّ، فإنه يبيّن لطلبته كيف وظّف الاشتقاق وأصل المفردة وجذرها في التوصل إلى معناها، وفي حصّة العلوم يبيّن للطلبة كيف أن التجربة الكيميائيّة أوصلته لمعرفة عناصر العنصر الناتج من خلط عنصرين في ظروف محدّدة.

يرى الطالب كيف طبّق المعلّم التعلّم أمامه ثم يذهب لإعادة الخطوات بنفسه.

 

يعيد الطالب إنتاج التعلّم بنفسه ولكن بمفردات جديدة، وخلط عناصر جديدة، وحلّ معادلات جديدة، وإبداء رأي يستند إلى أدلّة حول موضوع مختلف، وهذا الأمر سيظهر في الحياة الواقعيّة للطالب، عندما تُنمّي الممارسة المتكرّرة، والتغذية الراجعة من المعلّمين والزملاء في التعلّم الوجاهيّ والتعلّم عن بُعد، استعدادات المتعلّم وإمكانياته؛ لأن التعلّم الذي أنتجه الطالب هو نتاج رؤية كيفيّة القيام بهِ من قِبل المعلّم، وملاءمتهِ مع احتياجات واهتمامات وميول المتعلّم، فالأفكار والرؤى الصادرة من ذات المتعلّم، والمتّفقة مع جوانبه المعرفيّة والانفعاليّة والحركيّة، تحقّق مهارة التعلّم الذاتيّ التي يمكن تنميتها وتطويرها لتشمل جوانب عمليّة التعلّم كافّة.

في جانب آخر تحقّق مهارات التعلّم الذاتيّ المسؤوليّة في نفس المتعلّم عن تعلّمه، إذ يصبح المتعلّم على وعي عالٍ ومهارة بالحكم على مناسبة هذا التعلّم لإمكانيّاته، وتساعده هذه المهارات بتحديد الأهداف التي ينبغي عليه تحقيقها، لكونها أساسيّة في فهم المادّة والدروس، بينما أهداف أخرى فإنه يعرفها ولا حاجة له لتعلّمها، إضافة إلى أنّ مهارات التعلّم الذاتيّ تصبح نافعة وصالحة كي يظهرها الطالب في الحياة الواقعيّة.

لقد كشفت الجائحة أنّ هذا الأمر أساسيّ لنجاح المعلّم في تأدية رسالته، وضروريّ لانتقال التعلّم إلى البيئة الحقيقيّة للمتعلّم، لِما يساعده على حلّ المشكلات التي تواجهه عندما يتعلّق الأمر بمضمون ما يدرسه. ولن يقلق المعلّم ويحزن، لأنّ جهوده في تعليم الطلبة لم تذهب سدى، فعند تثبيت مهارات التعلّم الذاتيّ في أذهان الطلبة، لن يحبس الطلبة والمعلّمون أنفاسهم.